لفت نظرى حجم الأخبار والتغطيات السلبية عن مصر فى عدد من القنوات الفضائية العربية. وبالتدقيق فى هذه الأخبار، تجد أنها صحيحة فى أصلها، لكن طريقة عرضها وتناولها تثير الانتباه. قلت لنفسي: لا يجب أن أقع فريسة لانطباعات قد تكون خاطئة؛ فذهبت إلى فحص عينة من الأخبار التى تناولتها إحدى الفضائيات العربية عن ثلاث دول، من بينها مصر، على مدار شهر مستعينا بأدواتى التقليدية وأدوات الذكاء الاصطناعى فى جمع وتحليل البيانات ، وكانت النتيجة شبه متطابقة مع انطباعاتى الأولية.
تبرز مصر فى تغطية المحطة، وسأطلق عليها «X»، من خلال ثلاث صور متكررة: الأزمة الاقتصادية، والحوادث والجرائم والغرائب الاجتماعية، ثم المخاطر والتهديدات. وهذا يختلف عن النمط الذى ظهر فى المواد الخاصة بالدولتين «B» و»C»، حيث يبرز بدرجة أكبر الفعل الرسمي، والإنجاز، والمبادرة، والنجاح الأمنى والدبلوماسي، والاستجابة للأزمات.
ففى بضعة أيام خلال أغسطس، وجدت عناوين مثل: «48 قتيلًا وجريحًا فى حادث مروع هز مصر»، و«3 قتلى فى انفجار داخل مول بالقاهرة الجديدة»، فضلًا عن أخبار زلزال مصر وتداعياته وانهيار عقار، وموجات الحرارة والجرائم والقصص الاجتماعية.
وفى يوليو تكررت الظاهرة نفسها مع الطقس: «الحرارة تلامس الـ50 موجة صيف حارقة تضرب مصر»، ثم «موجة حر قياسية تضرب مصر.. والزراعة تحذر من مخاطر تهدد المحاصيل»، ثم «أبو اللهاليب يضرب مصر بدرجات حرارة غير مسبوقة ويهدد المحاصيل».
لاحظ هنا أننا لسنا أمام ثلاثة أحداث مستقلة تمامًا، وإنما أمام ظاهرة مناخية واحدة تقريبًا، جرى إنتاج أكثر من عنوان سلبى منها. وهذه إحدى أدوات تشكيل الصورة الإعلامية: تكثير الحدث السلبي.
أما أخبار الدولة «B» فى الفضائية نفسها، فجاءت الصورة مختلفة. حتى خبر وجود آلاف المخالفين جاء بعنوان: «الحملات الأمنية للدولة B تضبط أكثر من 14ألف مخالف للأنظمة». بؤرة العنوان هنا ليست «14 ألف مخالف»، وإنما نجاح الدولة فى ضبطهم.
وهذا مثال واضح على «التأطير». فالمعلومة نفسها يمكن أن تقول: «14 ألف مخالف خلال أسبوع»، أو: «الحملات الأمنية تضبط أكثر من 14 ألف مخالف». المعلومة واحدة، لكن بطل الرواية تغير؛ فى الأولى البطل هو المشكلة، وفى الثانية قدرة الدولة.
وظهر النمط نفسه مع الدولة «C»: «الدولة C تحبط هجمات سيبرانية منظمة استهدفت قطاعات حيوية». لم يقل العنوان: «قطاعات حيوية فى الدولة C تتعرض لهجمات سيبرانية خطيرة»، وإنما: «الدولة C تحبط…». الأزمة موجودة، لكن الدولة تظهر باعتبارها الفاعل القادر على مواجهتها.
وهنا بدأت الأرقام تتحدث. ففى تغطية الدولتين «B» و«C» تتكرر صياغات من نوع: «تطلق، تواجه، تضبط، تحبط، تدين، تتعامل»، بينما فى جانب معتبر من أخبار مصر تتكرر: «حادث يهز مصر، موجة تضرب مصر، مخاطر تهدد مصر، قتلى فى مصر، أزمة فى مصر، صدمة فى مصر».
وهذا الفارق اللغوى ليس هامشيًا؛ فهو ينتج صورتين ذهنيتين مختلفتين: دولة تفعل وتنجح وتواجه، مقابل دولة تقع عليها الأحداث والأزمات.
العينة التى راجعتها شملت 57 مادة خلال الفترة من 16 يوليو إلى 16 أغسطس 2026، موزعة على مصر والدولتين «B» و«C»، وجرى فحص العنوان والمجال والنبرة ودرجة الإثارة وموقع الدولة داخل الخبر.
فى عينة مصر، جاءت 20 مادة سلبية من أصل 30، بنسبة 66.7 ٪، بينما لم أسجل فى العينتين اللتين راجعتهما للدولتين « B»» و« C» مادة صنفتها سلبية وفق معايير الرصد المستخدمة.
والأكثر إثارة كان موقع الدولة داخل العنوان؛ فقد ظهرت مصر باعتبارها «فاعلًا» فى نحو 36.7 ٪ فقط من المواد، مقابل 100 ٪ فى عينة الدولة B، و80 ٪ فى عينة الدولة C.
هذه الأرقام لا تسمح لى بالقفز إلى اتهام أو الحديث عن حملة متعمدة؛ فالأخبار صحيحة فى أصلها، والبحث المهنى لا يبدأ بالنتيجة ثم يبحث لها عن دليل. لكنها بالتأكيد تطرح سؤالًا يستحق البحث: هل نحن أمام اختلاف عابر فى صياغة العناوين، أم نمط متكرر من الانتقاء والتأطير يصنع، بمرور الوقت، صورة ذهنية بعينها عن مصر؟
فالحقيقة الإعلامية لا تُصنع فقط بما تقوله وسائل الإعلام، وإنما أيضًا بما تختار أن تقوله، وما تختار ألا تقوله، وعدد المرات التى تكرره فيها، والطريقة التى تختار أن تقوله بها وللحديث بقية .









