في كتابه حرب الرقائق الإلكترونية، قال الكاتب الأمريكي كريس ميلر: إن الولايات المتحدة تركت مكونات مهمة من عملية تصنيع الرقائق الإلكترونية تنزلق من قبضتها مما ساهم ليس فقط في نقص الرقائق الإلكترونية حول العالم، ولكنه خلق أيضاً حربًا باردة جديدة مع قوة عظمى تستميت لسد الفجوة بينهما هي الصين.
وبالفعل يشهد العالم الآن حرباً ضروساً بين عمالقة تصنيع الرقائق الإلكترونية للاستحواذ على أحدث تكنولوجيا تدخل في كل الصناعات الحديثة المهمة كالذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، والتلفزيونات الذكية والسيارات والاتصالات والأجهزة الطبية والصناعات الدفاعية.
وتصدر شركة «تى إس إم سى» التايوانية المشهد في إنتاج الرقائق الإلكترونية، تليها شركة «سامسونج» الكورية الجنوبية ثم شر ثم شركة «إس إم آي سي» الصينية بنسب استحواذ على سوق الرقائق الإلكترونية 65% و13 % و8% بالترتيب. ثم تأتى شركة «إس كيه هاينيكس» الكورية الجنوبية، وبعدها شركات كبرى مثل «إنتل»، و «إنفيديا» الأمريكيتان.
وتأتى شركة «إيه إس إم إل» الهولندية كمورد وحيد في العالم لأجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية التي تستخدم أصغر وأقوى الرقائق الإلكترونية وهي التكنولوجيا التي منعت الولايات المتحدة الصين من الحصول عليها، لأنه لو حدث ذلك فسوف تستحوذ الصين على سوق الرقائق الإلكترونية بالكامل خلال سنوات قليلة.
ومما يوضح حجم هذا القطاع عالميًا إعلان شركتي «سامسونج»، و «إس كيه هاينيكس» الكوريتين بالمشاركة مع حكومة كوريا الجنوبية استثمار 190 مليار دولار في مصانع الرقائق الإلكترونية وتوسيع صناعة أشباه الموصلات خلال السنوات المقبلة.
وعلى الرغم من ظروف مصر الاقتصادية فإنها تمتلك فرصة تاريخية لاختراق مجال الرقائق الإلكترونية بسبب الثورة التكنولوجية التي تشهدها، وأيضاً بما لديها من رمال بيضاء تمثل العنصر الأساسي الذي يتكون منه السيليكون المكون الرئيسي للرقائق الإلكترونية فمصر لديها احتياطي ضخم من الرمال البيضاء «رمال السيليكا»، يبلغ حوالي 20 مليار طن بدرجة نقاء تصل إلى 90% في سيناء، والصحراء الشرقية، والصحراء الغربية.
ودخلت مصر هذا القطاع الحيوى كغيرها من الأسواق الناشئة مثل الهند وسنغافورة وماليزيا والإمارات الشقيقة، فركزت مصر على «تصميم» الرقائق وأشباه الموصلات من خلال مراكز بحثية مهمة بالمنطقة التكنولوجية بالمعادى وقطاع الاتصالات، بخلاف وادى التكنولوجيا بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس الذى يستهدف توطين الصناعات الحديثة والتكنولوجية.
واتخذت مصر خطوات متقدمة للحاق بركب هذا التطور التكنولوجي والاقتصادي فصدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم: «2732» لسنة 2024، بإنشاء المجلس الوطني لتوطين تكنولوجيا صناعة الرقائق الإلكترونية والخلايا الشمسية وتطوير استراتيجية التوطين الصناعة في مصر والاستفادة من موارد مصر الطبيعية وموقعها الجغرافي، من خلال إقامة مشروع وادى السيليكون على مساحة 200 فدان وبتكلفة تتجاوز مليار دولار وإنشاء مجمع إنتاج السيليكون المعدنى بطاقة إجمالية 45 ألف طن سنويًا ومنع تصديره فى صورته الخام، وإنشاء مصنع لإنتاج السيلكون بطاقة إنتاجية 100 ألف طن سنويًا، ودراسة إنشاء مصنع لإنتاج البولى سيليكون بطاقة إنتاجية 10 آلاف طن سنويا، ودراسة مشروعات مشتركة مع الشركات الدولية بعد تنفيذ المراحل الثلاث الأولى لصناعة الرقائق الإلكترونية واستخدام المنتجات الأولية كمدخلات إنتاج.
وفي الاتجاه نفسه أطلقت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا»، برنامج دعم تطوير النماذج الأولية لأشباه الموصلات، بجانب مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات»، لتسريع وتيرة نمو شركات أشباه الموصلات المحلية، ويقدم البرنامج دعمًا ماليًا مباشرًا لتغطية التكاليف المالية المرتبطة بتطوير النماذج الأولية للدوائر المتكاملة والرقائق الإلكترونية، والبرنامج يقدم الشركات تصميم أشباه الموصلات المتخصصة في رقائق الدوائر المتكاملة، دعماً مالياً يصل إلى 50% من تكاليف تصنيع النماذج الأولية للرقائق وتسليم التصميمات للمصانع، ويبلغ الحد الأقصى للدعم 6 ملايين جنيه للشركة الواحدة سنويًا، وبدأ البرنامج منتصف يوليو الماضى وينتهى 29 أكتوبر المقبل.
وتتمتع مصر بمزايا نسبية تساعدها على اقتحام عالم صناعة الرقائق الإلكترونية منها وجود بنية تحتية صناعية قوية، وتشجيع الدولة للشركات الناشئة والصغيرة لدخول مجال الرقائق الإلكترونية من خلال تطوير بيئة مشجعة، وتنفيذ سياسات ضريبية وإعفاءات وتيسيرات داعمة وجاذبة للاستثمار في هذه الصناعة. بالإضافة إلى وجود الكوادر العلمية والفنية والبحثية اللازمة لتطوير الصناعة.
إن الطفرة التي حققتها مصر في تصنيع السيليكون النقى من الرمال المحلية حققت تطورًا كبيرًا في التقنيات المحلية، وهذا التطور يجعل مصر تتقدم في صناعة أشياء الموصلات العالمية، وإذا استمرت مصر في هذا الطريق وبهذه الكيفية فسوف يأتي اليوم الذي ترى فيه رقائق إلكترونية صناعة مصرية.









