الاتحاد المصري للتأمين أمام فرصة لتطوير منتجات مرتبطة بالمخاطر المناخية والطبيعية
في خطوة تعكس التحول المتسارع في أسواق التمويل المستدام، نجحت مجموعة إيكوبانك، التي يقع مقرها الرئيسي في لومي عاصمة توجو، في إصدار سند بقيمة 450 مليون دولار مخصص للزراعة المستدامة ورأس المال الطبيعي، ليصبح أول سند يحمل تصنيف «Nature Bond» وفق إطار الرابطة الدولية لأسواق رأس المال ICMA تصدره مؤسسة مصرفية تجارية على مستوى العالم.
وجرى إدراج السند في السوق الرئيسي لبورصة لندن، فيما أكدت البورصة أن الإصدار يمثل أيضًا أول سند أخضر عالمي قائم على استخدام حصيلة الإصدار يحمل التصنيف الفرعي «Nature Bond» وفق إطار ICMA. وحصل الإصدار على تصنيف SQS1، وهو أعلى مستوى في تقييم جودة الاستدامة من Moody’s.
طلب يتجاوز 1.36 مليار دولار
سعرت إيكوبانك الإصدار في 14 مايو 2026، على أن تتم التسوية في 19 مايو، فيما احتفت بورصة لندن بإدراجه رسميًا خلال مراسم افتتاح السوق في 9 يوليو 2026
وبلغت قيمة طلبات الاكتتاب أكثر من 1.36 مليار دولار، مقابل حجم مستهدف أولي قدره 350 مليون دولار، بما يعادل نحو 3.9 مرة حجم الإصدار المستهدف.
وأتاح هذا الطلب القوي للبنك زيادة قيمة السند بمقدار 100 مليون دولار، لتصل إلى 450 مليون دولار، إلى جانب خفض التسعير بمقدار 50 نقطة أساس مقارنة بالتوجيهات الأولية، وهو ما يعكس ما يعرف في أسواق التمويل المستدام بـ«Greenium»، أي الاستفادة السعرية المرتبطة بجاذبية الأداة المستدامة للمستثمرين.
والسند من أدوات رأس المال من المستوى الثاني Tier 2، وتبلغ مدة استحقاقه 10.25 سنة، مع إمكانية استدعائه بعد 5.25 سنة.
المستثمرون.. ثقة دولية في التمويل المرتبط بالطبيعة
كشفت بيانات الإصدار عن قاعدة مستثمرين متنوعة جغرافيًا، حيث استحوذت المملكة المتحدة وأوروبا على نحو 55% من التخصيصات، مقابل 38% للمستثمرين في أفريقيا، و3% لمنطقة الشرق الأوسط، و2% لكل من الولايات المتحدة وآسيا.
وشارك بنك التنمية الهولندي FMO كمستثمر مرجعي، بينما أعلنت مؤسسة Finnfund الفنلندية استثمار 15 مليون دولار في السند.
وقادت عملية الإصدار كل من Standard Chartered وRenaissance Capital Africa بصفتهما مديرين رئيسيين مشتركين ومديري دفاتر اكتتاب.
ماذا تمول «سندات الطبيعة»؟
تختلف «سندات الطبيعة» عن السندات الخضراء التقليدية من حيث تركيزها المباشر على الأنشطة التي ترتبط بالحفاظ على الطبيعة والتنوع البيولوجي ورأس المال الطبيعي.
وبحسب إيكوبانك، ستوجه حصيلة الإصدار إلى تمويل أو إعادة تمويل قروض مؤهلة في ثلاثة مجالات رئيسية، هي الإنتاج الزراعي المستدام، والتصنيع الزراعي المستدام، ومشروعات إمدادات المياه والصرف الصحي.
ومن المقرر توجيه التمويل إلى 24 سوقًا ضمن شبكة عمليات المجموعة في أفريقيا، مع التركيز على الأسواق التي تتمتع بأهمية مرتفعة بالنسبة للطبيعة والتنوع البيولوجي. كما أشارت إيكوبانك إلى أن 81% من محفظة الإقراض المؤهلة موجهة إلى دول يمثل تغير استخدام الأراضي الزراعية فيها أحد المحركات الرئيسية لفقدان التنوع البيولوجي.
وتبرز أهمية الأداة في ظل فجوة تمويلية كبيرة، إذ تشير بيانات إيكوبانك إلى أن أفريقيا تستضيف نحو 25% من التنوع البيولوجي العالمي، لكنها تحصل على أقل من 3% من التمويل العالمي الموجه للطبيعة.

لماذا يهم الإصدار قطاع التأمين المصري؟
رغم عدم العثور على بيان رسمي من الاتحاد المصري للتأمين أو الهيئة العامة للرقابة المالية ينسب إليهما المحاور الخمسة الواردة في المادة الأصلية، فإن تطور سوق تمويل الطبيعة يحمل بالفعل تداعيات محتملة على قطاع التأمين المصري، خصوصًا مع تزايد ارتباط الأنشطة الزراعية والمائية والمشروعات المستدامة بمخاطر المناخ والطبيعة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه الهيئة العامة للرقابة المالية على تعزيز الاستدامة والإفصاح البيئي والاجتماعي والحوكمة ESG في القطاع المالي غير المصرفي، وفق القرارات المنظمة للإفصاحات المتعلقة بالاستدامة.
ومن أبرز المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا الاتجاه التأمين الزراعي والتأمين ضد مخاطر المناخ، خصوصًا المنتجات القائمة على المؤشرات، التي يمكن أن تربط صرف التعويض بتحقق مؤشر موضوعي محدد، مثل مستويات الأمطار أو درجات الحرارة، بدلًا من الاعتماد الكامل على إجراءات معاينة الخسائر.
كما يمكن أن يفتح توسع تمويل المشروعات المرتبطة بالطبيعة المجال أمام وثائق تأمين متخصصة للمشروعات الزراعية وسلاسل الإمداد والمياه والبنية الأساسية، إلى جانب منتجات تغطي بعض المسؤوليات والأضرار البيئية.
إعادة التأمين ونقل المخاطر
يمثل توسع التمويل المرتبط بالطبيعة أيضًا فرصة لإعادة التفكير في آليات نقل المخاطر، خاصة مع تطور الأدوات المالية المرتبطة بالتأمين Insurance-Linked Securities، وسندات الكوارث وغيرها من الأدوات التي تسمح بنقل بعض المخاطر إلى أسواق رأس المال.
ولا يعني ذلك أن إصدار إيكوبانك سيؤدي بصورة مباشرة إلى خفض أسعار إعادة التأمين في السوق المصرية، لكن نجاح الإصدار يبرهن على وجود شهية استثمارية دولية متزايدة تجاه الأدوات التي تربط رأس المال بأهداف بيئية قابلة للقياس.
وهذه النقطة قد تكون مهمة بالنسبة لشركات التأمين المصرية عند تطوير استراتيجيات إدارة المخاطر، خصوصًا في الأخطار الطبيعية والمناخية التي تتسم بالتراكم والتعقيد وارتفاع تكاليف إعادة التأمين.
فرصة أمام الاستثمار التأميني
تمثل الاستثمارات المستدامة أحد المسارات الأخرى التي يمكن أن تكتسب أهمية متزايدة بالنسبة لشركات التأمين وصناديقها، مع مراعاة القواعد والحدود التنظيمية المطبقة على استثمارات أموال شركات التأمين.
وتشير الهيئة العامة للرقابة المالية بالفعل إلى تنامي أهمية الإفصاحات المتعلقة بالاستدامة وممارسات ESG، باعتبارها أدوات تساعد المستثمرين على تقييم المخاطر والفرص المرتبطة بالاستدامة، وليس باعتبارها مجرد متطلبات إفصاح شكلية.
السوق المصرية.. ماذا يمكن أن تفعل؟
الخطوة الأهم بالنسبة للسوق المصرية ليست بالضرورة تقليد تجربة إيكوبانك بصورة مباشرة، وإنما دراسة النموذج واستخلاص الأدوات التي يمكن تكييفها مع طبيعة الاقتصاد المصري.
ويأتي في مقدمة هذه الأدوات تطوير منتجات تأمين زراعي أكثر ارتباطًا بالبيانات، وتوسيع استخدام الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية في تقييم المخاطر، وبناء قواعد بيانات أكثر دقة عن مخاطر الجفاف والحرارة والسيول وتغير أنماط الأمطار.
كما يمكن أن يمثل التعاون بين البنوك وشركات التأمين مسارًا عمليًا لتطوير حزم تمويل وتأمين للمشروعات الزراعية والمياه والطاقة النظيفة، بما يوفر حماية أفضل للمقترضين والمؤسسات المالية في مواجهة المخاطر الطبيعية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية مع توجه الهيئة العامة للرقابة المالية نحو زيادة الابتكار في المنتجات التأمينية وتوسيع نطاق التغطية، بالتوازي مع تطبيق قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024. وقد أكدت الهيئة خلال فعاليات مؤتمر المنظمة الأفريقية للتأمين في القاهرة أهمية تنويع المنتجات وتوسيع التغطية وتعزيز استخدام التكنولوجيا في القطاع.
سندات الطبيعة.. بداية سوق جديدة
تكمن أهمية تجربة إيكوبانك في أنها لا تقدم مجرد إصدار مالي بقيمة 450 مليون دولار، وإنما تختبر قدرة الأسواق على تحويل حماية الطبيعة والتنوع البيولوجي إلى فئة قابلة للتمويل والاستثمار من جانب المؤسسات المالية والمستثمرين.
وقد أثبت حجم الطلب على الإصدار، الذي تجاوز 1.36 مليار دولار، أن هناك شهية استثمارية حقيقية تجاه هذا النوع من الأدوات، خصوصًا عندما تكون الأهداف البيئية محددة وقابلة للقياس وتخضع لأطر دولية معترف بها.
وبالنسبة لمصر، فإن التطور يفتح نقاشًا أوسع حول العلاقة بين التمويل المستدام والتأمين وإعادة التأمين، ويطرح أمام القطاع فرصة لتطوير منتجات جديدة قادرة على التعامل مع المخاطر المناخية والطبيعية، والاستفادة من البيانات والتكنولوجيا، وربط التمويل المصرفي بالغطاء التأميني.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأسواق العالمية نحو أدوات تمويل أكثر ارتباطًا بالطبيعة، قد يصبح التأمين أحد العناصر الأساسية في هذه المنظومة، ليس فقط باعتباره وسيلة لتعويض الخسائر، وإنما باعتباره أداة لإدارة المخاطر وتحفيز الاستثمار المستدام وتعزيز قدرة القطاعات الإنتاجية على مواجهة الصدمات المناخية والبيئية.








