لم تكن حادثة “الدواويس” بمحافظة الإسماعيلية مجرد رقم جديد ينضم إلى سجلات حوادث الطرق المؤلمة، بل كانت جرس إنذار صارخ يدمي القلوب، بعدما حصدت أرواح 18 شخصاً، بينهم أطفال في عمر الزهور.. تلك الفاجعة أزاحت الستار مجدداً عن واقع مرير نعيشه على طرقاتنا، حيث تتحول السيارات من وسائل نقل إلى “نعوش طائرة”، حيث تبدأ “لعبة الموت على الأسفلت” وسط غياب للوعي والضمير والرقابة.
وكالعادة في مثل هذه الأحداث التي تمس قلوب المصريين، لم تتأخر القيادة السياسية عن التدخل السريع؛ حيث جاءت التوجيهات الرئاسية العاجلة لتضع الجميع أمام مسؤولياته فصدرت الأوامر بتشكيل لجان فنية للوقوف على الأسباب الحقيقية للحادث، والتأكيد على توفير أعلى مستويات الرعاية الطبية للجرحى والمصابين بالمستشفيات، والإسراع في صرف التعويضات المالية والإعانات العاجلة لأسر الضحايا والشهداء.
ولا شك إن التحرك الرئاسي السريع يداوي الجراح ويخفف من وطأة الفاجعة على أسر الضحايا، لكنه يحمل في الوقت ذاته رسالة شديدة اللهجة لجميع الأجهزة التنفيذية بأن الدولة لن تقبل بأن يتحول الإهمال والاستهتار على الطرق إلى نمط حياة، ولا ينبغي أن ننتظر وقوع الفاجعة حتى نتحرك لحماية أرواح المواطنين وفي مقدمتهم الأطفال والعمال.
والسؤال الذي يطرح نفسه هل أصبح النقل بالصندوق الشاغر “لعبة” وكأننا في “دريم بارك”.. كما إن مشاهدة العمال والأطفال وهم يتكدسون في صندوق السيارة الخلفي بلا أدنى مقومات للأمان، يقودنا إلى السؤال الأهم وهو أين الوعي الاجتماعي؟، وهل أصبحت حياتنا وحياة أطفالنا ومن حولنا رخيصة إلى هذه الدرجة؟.. وإذا كان الصغار لا حول لهم ولا قوة لا يدركون حجم الخطر الذي يحيط بهم، فأين أنتم أيها الكبار من ركوب “نعوش الموت”.
وكيف يسمح “مقاول الأنفار” لنفسه بنقل أرواح بشرية بهذه الطريقة البدائية والمستهترة؟.. ولماذا لا يتم نقلهم في باص أو ميكروباص خصوصا وان الأجرة لن تختلف كثيرا أم أن هؤلاء العمال تحولوا إلى مجرد “بضائع” أو أدوات إنتاج رخيصة يُضحى بأمانها معدومي الضمير توفيراً للوقت أو الجنيهات؟
لطالما تحدثنا عن وعي المواطن المصري، وذكائه وفطنته لكن السلوكيات على الطرق تكشف عن فجوة حادة بين الوعي المفترض والتطبيق العملي، فقد يبرر البعض هذا الإهمال والفوضى العارمة بعبارات ومفاهيم مقتطعة من سياقها الصحيح، مثل: “العمر واحد والرب واحد”، و”اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين” متجاهلين قول المولى عز وجل في القرآن الكريم.. “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛوَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” فالأخذ بالأسباب والالتزام بمعايير الأمان واجب شرعي وإنساني، وليس خياراً مطروحاً للرفاهية.
وإذا كنا تحدثنا عن خطأ المواطنين فلابد من التطرق إلى غياب دور المسؤلين فهذه الكارثة تضع الجهات المعنية من المحليات والمرور أمام مسؤولياتها المباشرة، وتستوجب مواجهة حازمة بتكثيف الحملات المرورية على الطرق الفرعية والزراعية؟، فمرور هذه السيارات المحملة بعشرات الأرواح في الصناديق الخلفية جهاراً نهاراً على مرأى ومسمع من الجميع دون ضبط أو ردع؟.. يكشف حجم الغياب الرقابي.
يا سادة يا مسؤولين الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في مواجهة هذه المخالفات؛ بل الجرائم فتعريض حياة المواطنين للخطر تستوجب عقوبات رادعة لأي مخالف أو متخاذل.
ومثل العديد من ملايين المصريين آلمني كثيرا قصة بسملة التلميذة في الصف السادس الابتدائي والتي كانت تعمل باليومية ١٠٠ جنيه لمساعدة والديها فأي ذنب اقترفته هذه الطفلة، التي راحت ضحية هذا الإهمال الجسيم والظروف المعيشية الصعبة لوالديها؟.. أين ضمير السائق الذي يقود برعونة وهو يعلم أنه يحمل في الخلف أرواحاً لا تملك حماية؟ أين ضمير مقاول العمال الذي يتاجر بجهد الفقراء وحاجتهم، ويسترخص وسائل أمانهم؟
إن قصة بسملة وغيرها من الضحايا الأبرياء ليست مجرد مأساة عائلية، بل هي وصمة عار في جبين كل من قَصّر في أداء واجبه أو غض الطرف عن استهتار يتكرر كل يوم.
وفي النهاية لا يسعني إلا أن أؤكد أن “نزيف الأسفلت” لن ينتهي إلا بمواجهة حاسمة تتضافر فيها التوعية المجتمعية الصارمة، مع التطبيق الصارم للقانون دون تراخٍ، وتفعيل دور الحملات المرورية في كل شبكات الطرق، ليصبح حماية روح الإنسان فوق كل اعتبار وهو أحد أهم أعمدة الجمهورية الحديدة التي دائما ما ترشه لبناء الإنسان.








