فى كل مرة يتحدث فيها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يقول إنه صديق رائع وقام بأشياء عظيمة، وفى المقابل يعترف نتنياهو كلما طل فى الإعلام أن الرئيس ترامب أفضل صديق لإسرائيل فى البيت الأبيض، لكن يبدو أن دوام الحال من المحال، وأن أصدقاء الأمس ربما تختلف مشاعرهم واتجاهاتهم، فمع اقتراب الانتخابات النصفية الحاسمة فى الولايات المتحدة وانتخابات الكنيست فى إسرائيل، يجد ترمب ونتنياهو أنفسهما أمام ضغوط سياسية داخلية تدفع كلا منهما فى اتجاه مختلف، فى تحول بدأ يكشف عن توتر متزايد داخل التحالف الأمريكى الإسرائيلي، ويثير تساؤلات عن مدى قدرة ترامب على ممارسة نفوذه على نتنياهو.
ظهر الخلاف للعلن عندما رفض نتنياهو خطة أيدها البيت الأبيض لتنفيذ المرحلة التالية من مقترح ترمب للسلام فى غزة، وكان هذا الدليل القاطع على أن الود القديم قد انتهي, ففى موقف لافت قال نتنياهو إن إسرائيل تعرف كيف تتمسك بموقفها حتى فى مواجهة «أفضل أصدقائها» عندما تقتضى الضرورة ذلك، فى رسالة بدت موجهة مباشرة إلى ترامب شخصياً، الذى قدم الخطة بوصفها اتفاقا تاريخيا,وحتما سيثير رفض نتنياهو قلق حلفاء واشنطن بشأن قدرة ترمب على التأثير فى إسرائيل والشرق الأوسط عموما.. على كل حال كان متوقعا بعدما وسعت إسرائيل نطاق الأراضى التى تسيطر عليها فى غزة إلى أكثر من 60 ٪، وتحدث نتنياهو عن توسيع الخط ليشمل 70 ٪ من القطاع.
لكن ورغم كل هذا تجنب البيت الأبيض الدخول فى مواجهة علنية مع نتنياهو، مؤكدا أن العلاقة بين الرجلين لا تزال قوية، بينما وصف مسئول فى الإدارة الأمريكية رفض الخطة بأنه مجرد «استعراض انتخابي» موجه إلى الجمهور الإسرائيلي.. ومع ذلك، فإن مجرد قدرة نتنياهو على رفض خطة أيدها ترمب تمثل إشارة سياسية مهمة، فقد قال ترامب فى وقت سابق إنه يستطيع التأثير فى نتنياهو، بل وأكد: «إذا طلبت منه أن يفعل شيئا، سيفعله». لكن الخلاف بشأن غزة، وقبل ذلك الخلاف بشأن الحرب مع إيران، يوحيان بأن العلاقة لم تعد تقوم على نفوذ أمريكى أحادى الجانب.
صحيح أن كليهما يتعرض لضغوط انتخابية، لكن خروج الخلاف للعلن جعل المحللين يقولون إن هذه هى النهاية، ترامب من جانبه يحتاج إلى إظهار نتائج فى السياسة الخارجية قبل انتخابات التجديد النصفى الأمريكية، فى ظل تراجع الرضا الشعبى الأمريكى عن تعامله مع الملفات الخارجية، لا سيما الحرب على إيران، كما يحتاج ترامب أيضا إلى تحقيق إنجازات فى إيران وأوكرانيا وغزة قبل الانتخابات، فى وقت بدأ فيه جزء من الناخبين الذين دعموا شعار «أمريكا أولا» يشعرون بالاستياء من انخراط الولايات المتحدة مجددا فى صراعات خارجية. أما نتنياهو العالق بين ضغط اليمين المتطرف ومحاكمته فى قضايا تتعلق بالاحتيال وخيانة الأمانة والرشوة، والممزق بين الوعود التى قطعها لترامب وكماشة أحزاب اليمين المتطرف والمستوطنين الذين يرفضون حتى الانسحاب إلى الخط الأصفر؛ فيخشى من أن يؤدى أى تنازل فى غزة إلى خسارة دعم اليمين الإسرائيلى الذى يعول عليه للبقاء فى السلطة، ويواجه نتنياهو معركة داخلية لا تقل خطورة, فقد تعرض لضغوط قوية من وزراء اليمين المتطرف فى ائتلافه، الذين رفضوا أى انسحاب إسرائيلى من غزة قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة.
فى إسرائيل تكتسب انتخابات أكتوبر أهمية خاصة بالنسبة لنتنياهو، الذى يواجه منافسين أقوياء واستياء شعبيا بسبب طريقة تعامله مع هجوم السابع من أكتوبر والفشل فى منع وقوعه، وتشير استطلاعات الرأى إلى أن أحزاب المعارضة فى إسرائيل قد تتمكن من تشكيل ائتلاف يضمن لها الـ61 مقعداً اللازمة للسيطرة على الكنيست، وهو ما قد يطيح بنتنياهو من السلطة.
حتى لو قلنا إن ترمب لا يبدو أنه فقد نفوذه بالكامل على نتنياهو، فليس خافياً أنه صار نفوذاً أكثر كلفة وأقل ضمانا، فكلما اقتربت الانتخابات سيحسب كل منهما بحساباته الداخلية، وسيعلى كل منهما مصالحه السياسية، وفى لحظة ما قد لا يصبح «بيبي» نتنياهو بالنسبة لترامب هو نفسه «بيبي» الصديق الرائع، وقد يتحول «ترامب» من «أهم صديق لإسرائيل فى البيت الأبيض» كما يردد نتنياهو إلى براجماتى معرقل للأخير.
ويبقى السؤال: إلى أى مدى يستطيع كل من ترامب ونتنياهو الحفاظ على مصالحه من دون التضحية بمصالح الآخر.









