كان الطفل يسأل عن كل شيء، لماذا السماء زرقاء ولماذا القمر لا يسقط وكيف تطير الطائرة ولماذا نذهب إلى المدرسة؟، كان السؤال عنده أجمل من الإجابة، وكان يريد أن يعرف ويكتشف ويفهم العالم من حوله.
ثم كبر الطفل، وبدأت الأسئلة تختفي، حل مكانها سؤال واحد «السؤال ده عليه كم درجة ؟».
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل من سرق فضول الطفل، هل سرقناه نحن، المدرس الذى يريد إنهاء المنهج، والأسرة التى لا تهتم إلا بالمجموع، والامتحان الذى تحول من وسيلة لقياس التعلم إلى هدف؟
شيئا فشيئا، أصبح الطالب يتعلم لكى يجيب، وليس لكى يفهم، يحفظ لكى يحصل على الدرجة، وليس ليمتلك المعرفة، ويبحث عن السؤال المتوقع، ويتجاهل السؤال الذى ربما يغير حياته.
وهنا تكمن المفارقة، نحن نعيش فى عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعى تقديم آلاف الإجابات فى ثوان، لكن من سيعلم الطالب أن يسأل السؤال الصحيح ، والطفل الذى يسأل كثيرا ليس مشاغبا، والطالب الذى يقول «لماذا» لا يعطل الحصة، ربما يكون هو أهم طالب فى الفصل.
وعندما زرت الجامعة الألمانية مع أوائل الثانوية العامة الأسبوع الماضى ، اكتشفت أن «لماذا» ما زالت حاضرة، رأيت تعليما لا يكتفى بأن يسأل الطالب عن الإجابة، بل يدفعه إلى البحث والتحليل والتجربة، هناك تشعر أن السؤال ليس خروجا عن الدرس، بل هو بداية التعليم الحقيقي، والنتيجة أن الجامعة تخرج فيها اجيال من العباقرة واصبحوا علامات مضئية فى مصر ومختلف أنحاء العالم.
وهنا تأتى أهمية المناهج الجديدة التى طورتها التربية والتعليم وركزت فيها على الفهم والتفكير والتحليل، وربط التعلم بالحياة بدلا من الحفظ والتلقين ، وهذه خطوة مهمة لاستعادة الفضول فى هذه السن.
لكن المناهج وحدها لا تكفي، نحتاج معلما يشجع السؤال، وأسرة تدعم الفهم، وامتحانا يقيس التفكير.
الطالب الذى يخطئ فى الإجابة يمكن أن يتعلم، أما الطالب الذى يتوقف عن السؤال، فقد توقف عن التعلم، وإذا كانت المناهج الجديدة قد بدأت تعيد «لماذا» إلى الفصل، فعلينا أن نحافظ عليها فى عقل الطفل والطالب، وألا نسرق منهما شغف السؤال مرة أخرى.









