لم تعد التطورات المتسارعة على الحدود الشرقية المصرية مجرد امتداد جغرافى للحرب فى قطاع غزة، وإنما أصبحت واحدة من أكثر دوائر الأمن القومى المصرى حساسية؛ فاستمرار الاضطراب الإقليمي، والتحركات العسكرية الإسرائيلية فى رفح الفلسطينية ومحيط محور صلاح الدين «فيلادلفيا» وتبادل الاتهامات بشأن الأوضاع الحدودية، كلها عوامل تخلق بيئة أمنية شديدة التعقيد، يمكن أن تؤدى فيها الحسابات الخاطئة أو الحوادث الميدانية المحدودة إلى توترات أوسع لا يريدها أحد.
وقد شهدت العلاقات المصرية-الإسرائيلية خلال الفترة الماضية خلافات متزايدة مرتبطة بالحرب فى غزة والأوضاع على الحدود، كما تكررت مزاعم إسرائيلية بشأن عمليات تهريب عبر الحدود، وهى مزاعم نفتها القاهرة مراراً. وفى الوقت نفسه، ظلت مصر تؤكد ارتباط تطورات القضية الفلسطينية بصورة مباشرة باعتبارات أمنها القومي، مع استمرار دورها السياسى والإنسانى فى محاولة احتواء الأزمة.
> حدود تتجاوز مفهوم الخط الجغرافي
الأهمية الاستراتيجية للحدود الشرقية المصرية لا تنبع فقط من كونها خطاً فاصلاً بين مصر وإسرائيل وقطاع غزة، وإنما من ارتباطها بشبه جزيرة سيناء، التى تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومى المصري. ولذلك فإن أى تغير جوهرى فى البيئة الأمنية المحيطة برفح أو محور صلاح الدين لا يمكن النظر إليه فى القاهرة باعتباره شأناً فلسطينياً أو إسرائيلياً داخلياً منفصلاً عن المصالح المصرية.ومن هنا يمكن فهم الموقف المصرى الثابت الرافض لأى محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء أو تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأراضى المصرية. فالقضية هنا ليست مجرد مسألة استقبال سكان أو إدارة أزمة إنسانية، وإنما ترتبط بإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وما قد يترتب عليها من تغيير لطبيعة الحدود وخلق مصادر تهديد مستدامة للأمن القومي.
> هل يمكن أن تؤدى التوترات الحالية إلى وقوع اشتباكات؟
فى الحسابات العسكرية، ينبغى التمييز بين احتمال وقوع حادث أو اشتباك محدود وبين احتمال اندلاع حرب شاملة.فالبيئات الحدودية التى تشهد عمليات عسكرية مكثفة تكون بطبيعتها معرضة للحوادث غير المقصودة، أو سوء تقدير النوايا، أو أخطاء تحديد الأهداف، أو تجاوزات ميدانية بالتأكيد احتمالات الاحتكاك ليست افتراضية بالكامل.
لكن الانتقال من حادث حدودى إلى مواجهة عسكرية واسعة بين مصر وإسرائيل يظل سيناريو مختلفاً وأكثر تعقيداً. فهناك معاهدة سلام قائمة منذ عام 1979، وقنوات اتصال سياسية وعسكرية وأمنية، فضلاً عن إدراك الجانبين أن أى صدام مباشر ستكون له تداعيات إقليمية ودولية واقتصادية بالغة الخطورة.
ومن ثم فإن السيناريو الأكثر خطورة ليس قراراً مخططاً بشن الحرب، وإنما سيناريو الانزلاق غير المقصود إليها؛ عندما يقع حادث، يعقبه رد ميداني، ثم رد مضاد، فتدخل الأطراف فيما يعرف استراتيجياً بـ «سلم التصعيد» حيث تصبح استعادة السيطرة السياسية على الأحداث أكثر صعوبة.
> مصر القوية بين الردع وضبط النفس
هنا تتجلى أهمية الاستراتيجية المصرية لقد أعادت مصر خلال السنوات الماضية بناء قدراتها العسكرية بصورة شاملة، وطورت قواتها الجوية والبحرية والدفاع الجوى والبنية العسكرية فى الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة. لكن القيمة الحقيقية لهذه القوة لا تكمن فى استخدامها، وإنما فى قدرتها على منع الحرب ورفع تكلفة أى حسابات خاطئة قد تستهدف السيادة المصرية.وهناك فارق جوهرى بين الاستعداد للحرب والرغبة فيها. القيادة المصرية لا تريد الحرب، لكنها لا تستطيع أن تسمح لنفسها بألا تكون مستعدة لها.
> أرض سيناء.. خط أحمر للأمن القومي
يمثل الحفاظ على الأمن والاستقرار فى سيناء أحد أهم محددات القرار الاستراتيجى المصري. وبعد سنوات طويلة من مواجهة الإرهاب وتنفيذ مشروعات تنموية وبنية أساسية ضخمة، أصبحت سيناء جزءاً مركزياً من مفهوم الأمن القومى الشامل.
> لماذا تبقى الحرب الشاملة مستبعدة؟
رغم خطورة المشهد، توجد عوامل قوية لكبح التصعيد. فالحرب المصرية-الإسرائيلية لن تكون مواجهة حدودية بسيطة، بل ستؤثر فى شرق المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس وأسواق الطاقة والتجارة الدولية، وستفرض ضغوطاً هائلة على المنطقة بأسرها.
كما أن مصر دولة محورية فى الأقليم وليس من السهل العداء معها ما زالت تؤدى دوراً محورياً فى الوساطة بشأن غزة، واستمرت خلال أغسطس 2026 فى التحرك مع الوسطاء الإقليميين إزاء التطورات فى القطاع. وهذا الدور ذاته يشكل إحدى آليات منع توسع دائرة الحرب.لكن استبعاد الحرب لا يعنى استبعاد المخاطر. فالأزمات الكبرى كثيراً ما تبدأ من أخطاء صغيرة، ولذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب أعلى درجات الانضباط الميداني، واستمرار قنوات الاتصال العسكرية والسياسية، ومنع حملات التحريض الإعلامي، وعدم السماح للشائعات بأن تتحول إلى عنصر ضغط على صانع القرار.
> إستراتيجية مصر: السلام من موقع القوة
الرسالة المصرية فى هذه اللحظة ينبغى قراءتها بعيداً عن المبالغات: فمصر دولة سلام، لكنها ليست دولة قابلة للضغط أو الابتزاز الاستراتيجي.السلام بالنسبة لمصر خيار استراتيجى حافظت عليه لعقود، لكنه سلام يقوم على احترام السيادة والحدود والمصالح القومية المتبادلة، وليس على قبول الأمر الواقع مهما كانت تداعياته.ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو سوء قراءة ضبط النفس المصرى باعتباره ضعفاً، أو تفسير الاستعداد العسكرى باعتباره استعداداً للحرب. كلا التفسيرين خاطئ؛ فالقاهرة تحاول الاحتفاظ بمساحة واسعة بين الردع والمواجهة، وبين حماية الأمن القومى ومنع الانفجار الإقليمي.









