هوس المظهر عندما تصبح الصورة أهم من الحقيقة.
لم يعد الإنسان فى زمن السوشيال ميديا يبحث فقط عن أن يعيش حياة جيدة.. بل أصبح يبحث عن أن يبدو وكأنه يعيش حياة جيدة.
الفارق بين الاثنين يبدو بسيطاً فى الكلمات لكنه عميق وخطير فى الواقع.
فقد تحولت الصورة من مجرد وسيلة لتوثيق اللحظة.. إلى وسيلة لإثبات النجاح وإقناع الآخرين بأن حياتنا أفضل مما هى عليه بالفعل.. أصبح الهاتف مرآة جديدة لا يرى الإنسان فيها وجهه فقط.. وإنما يرى من خلالها صورة الآخرين وحياتهم وملابسهم وسياراتهم ومنازلهم ورحلاتهم ومطاعمهم مع كل صورة تبدأ المقارنة. ومع كل مقارنة يتولد شعور بأن ما يملكه الآخرون أكثر وأفضل وأن حياة الإنسان نفسه لا تستحق العرض.
المشكلة أن كثيرًا مما قرأته على الشاشات ليس حياة كاملة وإنما لقطة منتقاة من حياة كاملة صورة لرحلة دون أن نعرف ثمنها سيارة فاخرة دون أن نعرف أقساطها منزل أنيق دون أن نعرف الديون التى دفعت ثمنه وابتسامة واسعة قد تخفى وراءها مشكلات لا تظهر أمام الكاميرا.
ومع الوقت أصبحت بعض المجتمعات تقيس الإنسان بما يرتديه وما يركبه وأين يسكن وأين يسافر أكثر مما تقيسه بعلمه وأخلاقه وقدرته على النجاح الحقيقي.
لم يعد السؤال أحياناً ماذا حققت؟ بل أصبح كيف ستظهر أمام الناس؟
وهنا تبدأ المشكلة حين يصبح المظهر معياراً للقيمة..
المظهر فى حد ذاته ليس عيباً. من الطبيعى أن يهتم الإنسان بأناقته ونظافته وصورته أمام الآخرين.. لكن الخط الفاصل بين الاهتمام بالمظهر والهوس به يبدأ عندما تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بنظره الآخرين إليه.. الشاب الذى يشترى ما لا يستطيع تحمل ثمنه فقط حتى لا يبدو أقل من أصدقائه.. والفتاة التى تدخل فى سباق مستمر مع صور المشاهير والمؤثرين.. والأسرة التى تنفق فوق قدراتها على حفل أو مناسبة حتى لا تتعرض لكلام الناس.
كلها نماذج لظاهرة واحدة الخوف من أن نبدو أقل من الآخرين.
وهكذا تتحول الحياة إلى مسابقة مفتوحة لا تنتهي.. كلما اشترى شخص سيارة أحدث ظهر آخر بسيارة أغلي. وكلما سافر شخص إلى بلد جديد أصبح السفر إلى بلد آخر هو معيار التميز. وكلما ارتفع سقف المظاهر ارتفعت معه الضغوط النفسية والاجتماعية على من لا يستطيع اللحاق بهذا السباق.
السوشيال ميديا صنعت مجتمع المقارنة فى الماضى كان الإنسان يقارن نفسه بدائرة محدودة من الأشخاص الذين يعرفهم. أما اليوم فقد أصبح يقارن نفسه بمئات وآلاف الأشخاص كل يوم.
هذه المقارنة غير عادلة من الأساس فهو يرى أفضل لحظات الآخرين فى مقابل تفاصيل حياته اليومية بكل مشكلاتها ونواقصها.. يرى نجاحاتهم ولا يرى إخفاقاتهم.. يرى ابتساماتهم ولا يرى لحظات ضعفهم.. يرى حساباتهم البنكية.. يرى أجمل صورة لهم ولا يرى عشرات الصور التى لم تعجبهم ومع تكرار المشاهدة يبدأ العقل فى الاعتقاد بأن هذه الحياة المثالية هى الحياة الطبيعية وأن ما عداها هو الفشل.. وهنا تظهر أزمة خطيرة خاصة لدى الشباب.. تراجع الإحساس بالرضا عن النفس.. عندما تتحول الحياة إلى عرض مستمر أصبح البعض لا يستمتع باللحظة إلا إذا استطاع تصويرها.. الطعام لا يكفى أن يكون لذيذاً. بل يجب أن يكون قابلاً للتصوير.
الرحلة لا تكفى أن تكون ممتعة. بل يجب أن تظهر بصورة مبهرة.
المناسبة لا تكفى أن تسعد أصحابها بل يجب أن تظهر بصورة مبهرة.
المناسبة لا تكفى أن تسعد أصحابها بل يجب أن يعرف الجميع أنها كانت رائعة. حتى بعض العلاقات الإنسانية أصبحت تخضع لمنطق العرض..
صور المناسبات.. الهدايا ـ الاحتفالات الرحلات والمفاجآت أصبحت فى بعض الأحيان أهم من المشاعر نفسها.
وهنا يتحول الإنسان من شخص يعيش حياته إلى شخص يدير صورته أمام الاخرين.. أخطر ما فى الظاهرة أنها تصيب الأطفال أيضاً.. الأمر لم يعد مشكلة تخص الكبار فقط.
الطفل اليوم يتعرض منذ سنواته الأولى لمحتوى يجعله يعتقد أن الشهرة والجمال والمال والماركات الطريق إلى النجاح.
وقد يبدأ فى تقييم نفسه من خلال عدد من المتابعين والإعجابات والتعليقات وهذا يضع الأسرة أمام مسئولية أكبر.. مجرد منع الهاتف.
المطلوب أن نعلم أبناءنا أن الإنسان لا يصبح مهماً لأنه يرتدى أغلى الملابس ولا لأنه يملك أحدث هاتف ولا لأنه يسافر أكثر من غيره.
القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بعدد الإعجابات.
مجتمع يخاف من كلمة «لا أستطيع» ربما تكون إحدى أخطر نتائج هوس المظهر.. أن الإنسان أصبح يخجل من الاعتراف بأنه لا يستطيع شراء سيارة جديدة.
لا يستطيع السفر.
لا يستطيع إقامة حفل..
لا يستطيع ارتداء ماركة معينة
فتبدأ محاولات إثبات القدرة بأى ثمن وقد يدفع البعض نفسه إلى الديون فقط حتى يحافظ على صورة اجتماعية معينة.
وهنا تتحول المظاهر من رفاهية إلى عبء اقتصادى ومن رغبة شخصية إلى ضغط اجتماعى.
هل أصبحنا نعيش للناس؟
السؤال الحقيقى الذى يجب أن نطرحه على أنفسنا. ليس كيف نبدو أمام الآخرين.
بل هل الحياة التى نعيشها ترضينا نحن؟
فليس مطلوباً من الإنسان أن يثبت طوال الوقت أنه ناجح أو سعيد أو غنى أو أنيق.
ليس عيباً أن تكون حياتك بسيطة ليس عيباً أن تستخدم هاتفاً عادياً.
ليس عيباً ألا تسافر كل عام.
ليس عيباً أن تقول إنك لا تستطيع تحمل تكلفة شئ ما.
العيب الحقيقى أن تنفق عمرك ومالك وطاقتك فى محاولة إقناع الآخرين بأنك شخص مختلف عن حقيقتك.
لقد أصبحت الصورة فى عصرنا أقوى من الحقيقة.
فى كثير من الأحيان. لكن الصورة مهما كانت جميلة لا تستطيع أن تمنح الإنسان راحة حقيقية إذا كانت حياته من الداخل فارغة.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يبدو سعيداً أمام الكاميرا. بل إلى مجتمع يشعر بالسعادة عندما تغلق الكاميرا فالحياة ليست مسرحاً دائماً والإنسان ليس مشروعاً ودعائياً والنجاح ليس صورة تنشر على الإنترنت.
وفى النهاية قد تكون أعظم درجات النضج أن يتوقف الإنسان عن سؤال الآخرين كيف ترونني.








