لم تكن الملوخية والجرجير مجرد أطعمة على موائد المصريين قبل نحو ألف عام، فقد دخل الاثنان ذات يوم فى دائرة الممنوعات بقرار من أحد أكثر الحكام إثارة للجدل وغرابة فى تاريخ مصرى وبالتحديد العهد الفاطمى .
إنه الحاكم بأمر الله الفاطمى، الذى تولى الحكم وهو فى الحادية عشرة من عمره، ثم أصبح صاحب القرار الأول فى الدولة الفاطمية، وأصدر خلال فترة حكمه عددًا من المراسيم التى طالت تفاصيل دقيقة من حياة العامة، بدءاً من الطعام والعادات اليومية، حتى تنظيم مواقيت الأذان.
ولد الحاكم بأمر الله فى مصر، وتولى الخلافة بعد وفاة والده العزيز بالله الفاطمي، وكان فى سن الحادية عشرة.
وفى بداية حكمه، حاول رجال الدولة استغلال صغر سنه للسيطرة على مقاليد الحكم، وكان من أبرز هؤلاء أبو محمد بن عمار، شيخ كتامة، الذى أصبح صاحب نفوذ واسع داخل الدولة، وحمل لقب «أمين الدولة».
وفى الوقت نفسه برز (برجوان)، الذى كان من كبار رجال القصر فى عهد العزيز بالله، وتمكن من قيادة صراع سياسى ضد ابن عمار وأنصاره، لينتهى الأمر بسيطرته على إدارة الدولة.
لكن نفوذ برجوان لم يدم طويلاً ؛ إذ بدأ يتعامل مع الحاكم باعتباره مجرد خليفة صغير يمكن التحكم فيه، بينما كان الحاكم قد تجاوز مرحلة الطفولة وأصبح أكثر إدراكا لما يجرى حوله.
وبحسب ماروته حكايات التاريخ، دبر الحاكم التخلص من برجوان، ثم عمل على تصفية نفوذ رجاله وأنصاره، قبل أن ينهى نفوذ ابن عمار وأتباعه، وتمكن من استعادة سلطته والسيطرة على مقاليد الحكم وأحكم قبضته على كافة شئون البلاد.
ومن أكثر ما ارتبط باسم الحاكم بأمر الله ما ورد فى المصادر التاريخية عن مراسيم تناولت الأطعمة والعادات.
ومن بينها منع أكل الملوخية والجرجير، كما شمل المنع أطعمة وعادات أخرى.
ولم يتوقف الأمر عند الملوخية والجرجير؛ فقد وردت أيضًا أوامر تتعلق بمنع عجن الخبز بالقدم، ومنع أكل نوع من الأسماك التى لا تحتوى على قشور أو حرافيش خارجية وعرفت باسم «القراميط» وأصدر أمرا بمنع صيدها أو بيعها، إلى جانب تنظيم ذبح الأبقار، بحيث لا تذبح الأبقار الصالحة للحرث إلا فى حالات معينة.
وامتدت قرارات الخليفة المثيرة للجدل إلى تنظيم مواقيت الأذان، فأمر بتحديد وقت أذان الظهر فى بداية الساعة السابعة الزوالية، أذان العصر فى بداية الساعة التاسعة الزوالية.
وهذه القرارات عكست طبيعة الحكم، وكانت دليل واضح على انفراده بالسلطة.
أما صورة الحاكم الفاطمى بأمر الله فقد تباينت فى كتب التاريخ، فبعض الروايات تشير إلى أنه كان فى بداية عهده كان يتمتع بالسخاء والعطاء وأن الاحتفالات فى عهده شهدت مظاهر كبيرة لمختلف الطوائف.
ومنها احتفال المسيحيين بعيد الغطاس بصورة كبيرة، و تقديم الخيل والسلاح للأتراك فى عيد النوروز.
لكن هذه الصورة لا تستمر على وتيرة واحدة ؛ إذ ارتبط الحاكم أيضًا بسياسات وقرارات أثارت جدلاً واسعا، وصراعات سياسية ودينية مع قوى مختلفة فى المنطقة، الأمر الذى جعل تقييم شخصيته موضع خلاف بين المؤرخين.
شهد عهد الحاكم بأمر الله صراعا سياسياً مع الخلافة العباسية، التى كانت تنافس الفاطميين على النفوذ والشرعية.
وفى عام 1011م صدر عن العباسيين مرسوم طعن فى نسب الحاكم بأمر الله إلى آل البيت.
كما دخل الفاطميون فى صراعات مع القرامطة، ما زاد من تعقيد المشهد السياسى الذى حكم فيه الحاكم بأمر الله.
أما نهاية الحاكم بأمر الله، فكانت واحدة من أكثر حلقات سيرته غموضاً ولم يجزم مصدراً تاريخياً بما جرى .
ففى عام 1021م خرج الخليفة ليلا باتجاه جبل المقطم فى القاهرة، وقيل إنه خرج للنزهة والتأمل، لكنه لم يعد.
وعثر على دابته وبعض متعلقاته، بينما بقى مصيره الحقيقى مجهول.
انتهت حياة خليفة بدأت بتولى العرش طفلاً، وانتهت باختفاء غامض فى سراديب جبل المقطم، لتبقى سيرته واحدة من أكثر السير إثارة للجدل فى التاريخ الفاطمي.
وبعد مرور قرابة ألف عام، لا تزال قصة الحاكم بأمر الله حاضرة فى كتب التاريخ والروايات الشعبية، ليس بسبب صراعاته السياسية والدينية، إنما بسبب المراسيم التى تدخلت فى تفاصيل الحياة اليومية للمصريين.
ويبقى قرار منع الملوخية والجرجير واحداً من أشهر المراسيم وأكثرها إثارة الفضول، خاصة أن السبب وراءه لم يحسم بصورة قاطعة فى كتب التاريخ.
أما اختفائه فى جبل المقطم، فقد منح قصته نهاية تليق بشخصية ظلت، منذ عصرها وحتى اليوم، محاطة بالجدل والغموض والتشويق.. فهل ستكشف فى يوم ما حقيقة قرارات الخليفة وأين اختفي، وهل هناك أوراق وحكايات دفنت مع أخته المثيرة للجدل أيضا ست الملك.. ربما ستكشف فى وقت ما.









