قلت فى الاسبوع الماضى ان رصانةُ التشريعات فى المدارس القانونية العريقة تُقاسُ بمدى قدرة القاعدة القانونية على الصمود عند إنزالها إلى أرض الواقع وممارستها فى أروقة المحاكم..
ويقف قانون الأحوال الشخصية المصرى وتحديداً المادة 20 من القانون رقم 1 لسنة 2000 الخاصة بـ«الخلع» بعد أكثر من ربع قرن على تطبيقه، متصدراً مشهداً أسرياً مضطرباً، والمشكلة تتعدد من الصراع بين بعض الاتجاهات الفقهية والقانونية والآثار الاجتماعية على الاسرة وفى المقدمة الأبناء، الضحايا الأكثر ألما!!
ويتجلى المأخذ الفقهى فى «تطليق القاضى جبراً»، بتصدير الإشكالية الأولى وهى سلب سلطة التطليق من الزوج، حيث يُشير هذا الطرح الفقهى إلى أن النبى- عليه الصلاة والسلام- لم يباشر التطليق بنفسه، رغم انه المشرع والقاضى والرسول، بل أمر الزوج بإيقاعه بعد استرداد المهر «اقبل الحديقة وطلقها». ومن ثمّ، يرى هذا الفريق أن سلب حق الطلاق من الزوج وإعطاء القاضى سلطة إيقاع الخلع «جبراً» دون رضائه أو تراضيه يتصادم مع الأصل الشرعى الذى يجعل التفريق ببيّنة أو بموافقة وبيد الزوج شريطة استرداد الحقوق كاملة.
وعلى الجانب الآخر تقف و جهة النظر الثانية المعتمدة على الاجتهاد والمصلحة المرسلة من فقه المالكية وبعض الاجتهادات الحديثة بتدخّل القاضى لإيقاع الطلاق بالخلع لرفع الضرر والإضرار عن المرأة، خاصة عندما يتعنت الزوج ويرفض الطلاق ويترك الزوجة «كالمعلقة»، فكان لزاماً على ولى الأمر «القاضى» التدخل لاسترداد حريتها لكن بعد رد المهر!.
> وخروج الزوج من التجربة بخسارة مالية ونفسية فادحة، و دون أن يسترد ما دفعه فعلياً، جعل بعض الفقهاء والقانونيين يعتبرونه مخالفاً لشرط الخلع الشرعى الذى ينص على ردّ «كامل ما أخذته الزوجة كمهر حقيقي».
> وتأتى الإشكالية الثانية فى المهر الصورى وما يتبعه من إجحاف، فقد حدّد النبى شرط الخلع بـ«ردّ الحديقة»، أى المهر الحقيقى الكامل الذى أُعطى للزوجة، وإذا طبقنا ذلك فى الواقع العملى المصرى نصطدم بتدوين «مهر صوري» فى معظم عقود الزواج يتراوح بين 25 قرشاً أو جنيه واحد، لتقليل الرسوم التوثيقية، بينما يكون الصداق الحقيقى مئات الآلاف من الجنيهات تتوزع بين شبكة وعفش وتجهيزات.. الخ، وعند إقامة دعوى الخلع، يكتفى القانون بإلزام الزوجة برد الـ25 قرشاً المدونة رسمياً، مما يُعد فى المنظور الفقهى أكلاً لأموال الناس بالباطل وإهداراً لشرط ردّ المهر الحقيقى.
> ويتندر البعض ان الحكومة التى أصدرت هذا القانون اكتوت بناره مثل الزوج بعد انتشار ظاهرة «الطلاق التحايلى» والزواج العرفى المستتر، فلم يقف نخر السوس عند حدود الهدم المباشر للأسرة، بل امتد ليتجلى فى واحدة من أسوأ صور المتاجرة بالعقود الشرعية والقانونية، أقصد «الطلاق الصورى أو التحايلى» مثل المهر الصورى، كيف؟
بـ«الزواج العرفى المستتر» للتحايل على القانون والمعاشات بالاتفاق بين الزوجين على خلع إجرائى أو طلاق رسمى صورياً أمام المأذون أو المحكمة.. لماذا؟
لتسجل الزوجة نفسها كـ»مطلقة» فى الأوراق الحكومية للاستفادة من استحقاق معاش والدها المتوفى أو المساعدات التأمينية أو السكن المخصص للمطلقات والدعم الحكومي!!، ثم إعادة المعاشرة بـ«عقد عرفى غير مسجل» فى الظل!
وقد أجمع علماء دار الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية على أن «هذا السلوك حرام قطعى وجريمة أخلاقية؛ لما فيه من أكل أموال السحت، والكذب فى إقرارات رسمية، وإهانة قدسية عقد الزواج وجعله ورقة للمناورة المالية.»
ويُكيف القانون هذا الفعل كـ«استيلاء على أموال الدولة بغير حق عن طريق التزوير»، وتصل عقوبته إلى السجن وجوباً مع إلزام الفاعلة برد كافة المبالغ المستولى عليها مضافاً إليها الغرامات والفوائد.
> وكل ذلك ولا ينظر أحد الى الضحية الكبرى و الضربة القاضية على رأس الطفل:
> فالزواج العرفى المستتر يضع الأبناء الجدد فى مهب الريح بلا سند رسمى لإثبات النسب، وتحول الأبناء لأداة فى معركة تغتال مستقبلهم، كما تتجرّد الزوجة من أى حماية قانونية فى حال نشوب نزاع جديد، فضلاً عن تصدير نموذج أخلاقى مشوه للأبناء يُشرعن الخداع والتزييف.
> أو الغرق فى سجال قضائى يخسر الزوج كل أمواله، أو تنازل الزوجة عن حقوقها، والضحية الأكبر هو الطفل بتدمير أواصر الأمان النفسي، و جعله وقوداً لمعارك ما بعد الانفصال من حضانة ورؤية ونفقات، ونشأة تتسم بالصراع والتمزق العاطفي.
> والأخطر أيضا هدم الفلسفة الأسرية والإنسانية التى قامت عليها الأسرة فى الإسلام من المودة، والتكليف المقترن بالمسئولية.. كيف؟
بإتاحة إمكانية إنهاء عقد هو ميثاق غليظ قائم على المودة، بإرادة منفردة لزوجة تحركها عواطف دون فرامل، أو إثبات ضرر حقيقى أو رد المهر الفعلي، كل ذلك يختل به ميزان الحكمة، وتتحول الأسرة من مؤسسة سكن وأمان إلى عقد هشّ تُهدده نزوة غضب عابرة وهدف للإثراء غير المشروع الذى يصل لحد السرقة!
> والحل تعديل تشريعى بمثابة خارطة طريق للإصلاح
فالشريعة والقانون كفلا رفع الضرر عن المرأة، والتشريع يحمى الضعيف دون أن يجور على القوي، ويفك قيد المتضررة دون أن يهدم مؤسسة الأسرة .









