فى أى اتفاق أو تحالف ثنائى أو متعدد الأطراف يحمل «طابعاً عسكرياً»، تحرص الدول الموقعة عليه على تضمينه نصاً يؤكد أولاً أنه «اتفاق أو تحالف دفاعى»، وثانياً، أنه «ليس موجهاً ضد أحد بعينه».
هذه هى القاعدة العامة، والاستثناء الوحيد لها، أن ينشأ هذا الاتفاق أو التحالف بسبب تعرض أحد أو كل أطرافه لعدوان عسكرى فعلي.. عندها يتضح «العدو» الموجه ضده هذا الاتفاق أو التحالف كما يتأكد أنه «دفاعي» وأن أصبح وارداً أن يتحول إلى «هجومي» أيضاً رداً على هذا العدوان.
وهدف أطراف أى اتفاق أو تحالف يحمل الطابع العسكرى من الحرص على تأكيد صفته الدفاعية وعدم استهدافه طرفاً بعينه، هو تجنب استعداء أحد ضد هذا الاتفاق أو التحالف فى وقت مبكر يحتاج أطرافه إلى استكمال مقوماته، وتفعيل مؤسساته، وبناء قدراته، فضلاً عن إضافة شيء من الغموض الإستراتيجى حول أهدافه.
ويحدث بالفعل، أن تبدأ أطراف إقليمية أو من خارج الإقليم فى تقييم مدى صحة ما ينص عليه الاتفاق أو التحالف، ويتسابق الدارسون والباحثون والمحللون فى جمع المعلومات لمحاولة التعرف على «العدو» الحقيقى أو المحتمل الذى لم يكشف عنه الاتفاق، وإن كان قد قام أصلاً لمواجهته.
لكن التاريخ السياسى والعسكرى العالمى يقدم لنا تجربة عملية بسيطة لدفع أطراف أى اتفاق أو تحالف للكشف عن حقيقة نواياهم.
التجربة حدثت من منتصف القرن الماضي، أى منذ ثلاثة أرباع قرن، وبطلها هو الاتحاد السوفيتى من جانب، وحلف الأطلنطى الناتو ـ من جانب آخر، وذلك عقب إنشاء الحلف عام 1949.
فقد لاحظ الاتحاد السوفيتي، أن حلف الأطلنطي، رغم نص معاهدته على أنه حلف دفاعي، وغير موجه ضد طرف بعينه، قد ضم إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، دول أوروبا الغربية وحدها التى تتشابه أنظمتها، رغم أن الاتحاد السوفيتى كان حليفاً قوياً مع هذه الدول جميعاً فى الحرب العالمية الثانية وشاركها النصر على النازية فى هذه الحرب، بل هو الذى كسر شوكة النازية على حدوده، وحرر النصف الشرقى للقارة الأوروبية بجيشه.
وأراد الاتحاد السوفيتى أن يزيح الغموض عن الأهداف الحقيقية لهذا الحلف، وعن «العدو» الحقيقى الخفى الذى لم تكشف عنه وثيقة إنشائه، فلجأ إلى هذه التجربة البسيطة.
تقدم للحلف بطلب للانضمام إلى عضويته.
وكانت مفاجأة تامة للولايات المتحدة والأعضاء الأوروبيين المؤسسين للحلف معها، وأجريت الاتصالات، وعقدت الاجتماعات، وانتهت إلى رفض الطلب السوفيتى بالإجماع.
واستغل الاتحاد السوفيتى هذا الرفض أفضل استغلال سياسى ودبلوماسى وعسكري، فقد أشهد العالم على أن حلف الأطلنطى بهذا الرفض أثبت أنه يعتبره العدو الذى أنشئ لمواجهته، وأن من حقه ـ أى الاتحاد السوفيتى الرد بالمثل.
وبالفعل، بادر الاتحاد السوفيتى إلى الاستقلال بدول أوروبا الشرقية التى تشاركه نظامه الاشتراكى أو الشيوعي، وإنشاء حلف عسكرى يضمها جميعاً، مضاد لحلف الأطلنطي، أطلق عليه اسم «حلف وارسو» عام 1955.
ومن هذا التاريخ تحديداً، بدأت الحرب الباردة فعلياً، بعد أن أصبح العالم منقسماً إلى معسكرين كبيرين على رأس كل منهما دولة نووية عظمى هما المعسكر الرأسمالى الغربى بقيادة الولايات المتحدة، وذراعه العسكرية هو حلف الأطلنطي، والمعسكر الاشتراكى أو الشيوعى الشرقى وذراعه العسكرية حلف وارسو.
وخلال حقبة الحرب الباردة، نشط الغرب فى إنشاء سلسلة من الأحلاف العسكرية الموالية له لتطويق الاتحاد السوفيتى ومعسكره، وكانت منطقة الشرق الأوسط تحديدًا مسرحًا لهذه السلسلة من الأحلاف التى بدأت من حيث تنتهى الحدود الجغرافية الشرقية لحلف الأطلنطى عند تركيا عضو الحلف وتمتد شرقاً إلى جنوب شرق آسيا حتى باكستان مروراً بإيران وضمت هذه السلسلة حلفين رئيسيين هما حلف بغداد وحلف جنوب شرق آسيا وكانت الدول الثلاث: تركيا ـ إيران ـ باكستان هى أكبر القوى الإقليمية المنخرطة فى هذه السلسلة من الأحلاف العسكرية الغربية.
ومن اللافت للنظر، أن أكبر المعارك الخارجية لثورة 23 يوليو المصرية العربية منذ قيامها، كانت ضد هذه الأحلاف العسكرية، فالهدف الأكبر بين الأهداف والمبادئ المعلنة للثورة كان: القضاء على الاستعمار، واعتبرت هذه الأحلاف أحلافاً استعمارية، بحكم أن الحلف «الأم» لها وهو حلف الأطلنطى يضم كل قوى الاستعمار القديم التى قامت الثورة لمحاربته والقضاء عليه، وتحرير العالم منه.
والمثير لفخرنا كمصريين، أن ثورتنا هذه قد نجحت فى إسقاط حلفى بغداد وجنوب شرق آسيا، وإرغام الغرب على تفكيكهما، وأنها بهذا الإنجاز، وبإنجازات خارجية عديدة أخرى مماثلة، مثل أنها كانت قوة دافعة لحركة تحرر وطنى عالمية طالت قارتى إفريقيا وآسيا وامتدت آثارها حتى أمريكا الجنوبية، وأنشأت مؤسسات عالمية لا مثيل لها مثل حركة عدم الانحياز، والتضامن الإفريقى الآسيوى وغيرها.
بالطبع المتغيرات فى العالم لا تتوقف، وتبادل المواقع بين القوى يحدث بفعل هذه المتغيرات، فمن كان يتصور مثلاً أن إيران التى كانت أحد أضلاع المثلث الذى ضم تركيا وباكستان فى حلفى بغداد وجنوب شرق آسيا تخرج وحدها فى هذا المسار وتتحول إلى قوة مناوئة للغرب فى المنطقة وعلى مستوى العالم، وأن يحدث هذا التحول بثورتها فى عام 1979، نفس العام الذى بدأت رياح السلام تهب على الشرق الأوسط، لكنه ـ كما ثبت بعد ذلك ـ سلام من طرف واحد هو الطرف العربي، بينما استمرت إسرائيل فى حروبها وتوسعاتها وتطلعاتها حتى اليوم سعياً إلى شرق أوسط منزوع السلاح تكون وحدها القوة المهيمنة عليه، وهو ما يستحيل حدوثه فى وجود مصر.









