حين تهتز الأرض تحت أقدامنا، لا ينبغى أن ينحصر السؤال فى قوة الزلزال ومركزه وأضراره؛ فالعلم يفسر كيف تحركت الأرض، لكنه لا يمنع الإنسان من أن يسأل: ماذا تقول لنا هذه الهزة؟ ولماذا نحتاج أحيانًا إلى أن تهتز الأرض كى نتذكر أننا نحن أيضًا قابلون للسقوط؟ فالزلزال، وإن كان ظاهرة كونية لها أسبابها وقوانينها، يضع الإنسان فجأة أمام الحقيقة التى يحاول أن ينساها فى زحام الحياة: أن ما نظنه ثابتًا يمكن أن يهتز، وما نظنه باقيًا يمكن أن يزول، وأن الإنسان نفسه ليس مالكًا للغد.
يقول الله تعالي: «وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا»، والتخويف هنا ليس صناعة الفزع، وإنما كسر الغفلة. فالإنسان قد لا توقظه النعمة، وقد لا توقظه النصيحة، وقد يمر أمام الموت كل يوم دون أن يراه، حتى تأتيه آية كونية تزلزل يقينه الزائف بالاستقرار، فيدرك فى لحظة واحدة أن البيت الذى احتمى به، والطريق الذى اعتاده، والمال الذى جمعه، والمنصب الذى ظنه حصنًا، كلها أشياء معلقة بخيط الزمن.
ولهذا جاءت سورة الزلزلة لتربط بين زلزلة الأرض وزلزلة المصير: قال تعالى:«إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا». ثم يأتى الجواب الأخطر: «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ». وكأن الرسالة ليست أن نخاف من اهتزاز الأرض بقدر ما نخاف من اليوم الذى تهتز فيه موازين الحساب، فلا يضيع خير مهما صغر، ولا يختفى شر مهما حاول صاحبه أن يخفيه.
وهنا تصبح الزلزلة مرآة للضمير. ماذا لو توقف كل واحد منا لحظة وسأل نفسه: ماذا لو كان هذا آخر يوم فى عمري؟ ماذا لو لم أملك غدًا لأعتذر، أو أرد مظلمة، أو أصل رحمًا، أو أتوب من ذنب، أو أعيد حقًا إلى صاحبه؟ ماذا لو كان المال الذى ألهث وراءه هو آخر ما يشغلنى قبل الرحيل؟ وماذا لو اكتشفت فى النهاية أننى أمضيت العمر كله فى جمع ما سأتركه، ونسيت أن أعد ما سأحمله معي؟
إن أخطر ما فى الدنيا أنها تمنحنا شعورًا كاذبًا بالامتداد. نؤجل التوبة، ونؤجل الاعتذار، ونؤجل الصلح، ونؤجل الخير، كأن العمر شيك مفتوح لا ينتهي. بينما يقول الله تعالي: «وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ». فالموت لا يحتاج إلى زلزال كى يأتي؛ قد يأتى فى حادث، أو مرض، أو سقوط، أو لحظة عابرة لا تحمل أى إنذار. تتعدد الأسباب، والموت واحد.
ومن هنا فالزلزال رسالة للجميع، لا للمواطن وحده. رسالة إلى المسئول قبل المواطن: هل أديت الأمانة؟ وهل كان القرار الذى اتخذته حماية للناس أم حماية للمصلحة؟ ورسالة إلى المهندس والمقاول: هل وضعت سلامة الإنسان فوق حساب الربح؟ ورسالة إلى التاجر: هل استغللت حاجة الناس؟ وهل كان ما تبيعه لهم نقيًا من الغش والاحتكار؟ ورسالة إلى صاحب المال والنفوذ: هل أدركت أن السلطة والمال امتحان قبل أن يكونا امتيازًا؟ ورسالة إلى كل إنسان: هل ظلمت أحدًا؟ هل أكلت حقًا؟ هل قصرت فى واجب؟ هل امتلأ قلبك بما لا يستحق أن تأخذه معك إلى قبرك؟
قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته». والمسئولية هنا لا تتوقف عند أبواب السلطة؛ فكل إنسان مسئول فى موقعه، وكل يد تستطيع أن تبنى أو تهدم، وكل توقيع قد يحمى إنسانًا أو يعرضه للخطر، وكل جنيه قد يكون ثمرة أمانة أو ثمرة ظلم.
ولا يصح أن نسارع إلى القول إن كل زلزال عقوبة على من أصابهم؛ فهذا حكم على الغيب لا نملكه. قد يكون ابتلاءً، وقد يكون تذكيرًا، وقد يكون سببًا لا نعرف حكمته. لكن الذى نملكه هو أن نتعظ نحن. فالقرآن لا يطلب منا أن نحاكم الآخرين، وإنما أن نحاكم أنفسنا: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ».
إننا نحتاج إلى أن نعيد تعريف النجاح. ليس النجاح أن تجمع أكثر، أو تصل إلى منصب أعلي، أو تبنى بيتًا أكبر، وإنما أن تخرج من الدنيا وقد تركت وراءك خيرًا أكثر من الشر، وحقوقًا مؤداة أكثر من الحقوق الضائعة، وقلوبًا راضية أكثر من القلوب المكسورة.
الدنيا ليست دار بقاء، وإنما دار عبور. يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- : «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وما أبلغ المعني: أن تعيش وتعمل وتبني، لكن دون أن تنسى أنك راحل. أن تمتلك الدنيا دون أن تمتلكك، وأن تستخدم المال دون أن يتحول المال إلى سيد، وأن تطلب المكانة دون أن تنسى أن المكانة الحقيقية يوم لا يبقى إلا العمل.
فماذا لو استيقظ ضميرنا قبل أن تهتز الأرض؟ ماذا لو أدركنا أن القانون وحده لا يصنع مجتمعًا آمنًا، وأن الرقابة وحدها لا تمنع الفساد، وأن كثرة الوعظ لا تصلح قلبًا غابت عنه التقوي؟ ماذا لو فهم المسئول أن قراره أمانة، والتاجر أن ربحه امتحان، والمهندس أن توقيعه مسئولية، والمواطن أن حريته مسئولية، وكل إنسان أن حياته نفسها أمانة؟
إن الكارثة ليست فقط أن تسقط الأبنية؛ الكارثة الكبرى أن تسقط القيم ولا نشعر. وليس أخطر من أن تهتز الأرض ولا يهتز القلب ويصحو الضمير.!!
لذلك حين تقع الزلازل، فلنرفع أعيننا إلى السماء، ولكن لننظر أيضًا إلى داخلنا. لنستغفر، ولنراجع، ولنرد المظالم، ولنصلح ما أفسدناه، وليرحم بعضنا بعضًا. فقد لا تكون لدينا فرصة أخري.
وإذا كان الزلزال يستطيع أن يسقط بناءً فى ثوانٍ، فإن الموت يستطيع أن يسقط كل الحسابات فى لحظة واحدة.









