بقلم: عمرو عبد الحافظ
لم يعرف العالم قبل القرن السابع عشر الميلادى مفهوم الوطن على الصورة التى نعرفها الآن..كان الانتماء السياسى للقبيلة أو للأمة الإمبراطورية الكبيرة، أما محل الميلاد والإقامة فهو «الموطن» الذى يعيش فيه الإنسان وتميل إليه مشاعره الفطرية، دونما انتماء سياسى يحرك دوافع الحفاظ على حدوده الجغرافية وأمنه القومى، على النحو الذى نعتاد عليه اليوم.
فى عام 1648 وقَعَّت أوروبا «صلح ويستفاليا» وأنْهَت عقودًا من الحروب الدينية بين أبناء القارة، وتأسس مفهوم الدولة الوطنية ذات الحدود الجغرافية والسيادة، ومن أوروبا بدأ المفهوم الجديد فى الانتشار ولقى قبولًا فى أنحاء العالم كله، فى الأثناء كانت الإمبراطورية العثمانية تحكم العالم الإسلامى، ثم أخذت فى الانحدار والضعف، حتى التهم الاحتلال الأجنبى معظم أطرافها، وانتهت بها الحال إلى أن أعلن مصطفى كمال أتاتورك عام 1924 حل الإمبراطورية وتأسيس الجمهورية التركية، كدولة وطنية حديثة ذات سيادة وحدود جغرافية.. فى السياق ذاته عظمت الروح الوطنية فى أرجاء المنطقة التى كانت تضمها الإمبراطورية العثمانية سابقًا، ونما الطموح لدى كل قطر إلى تحرير نفسه من الاحتلال الأجنبى وتأسيس دولة وطنية حديثة.
بعد أربع سنوات من تفكيك الإمبراطورية العثمانية يؤسس حسن البنا جماعة الإخوان، غير معترف بكل ما أنتجه الفكر الإنسانى فى القرون الثلاثة الأخيرة، ومنها مفهوم الوطن والدولة الوطنية، رأى البنا أن ثمة لحظة تاريخية كان المسلمون فيها هم الأقوي، وظن أن العودة إلى الماضى بكل مفرداته هى السبيل الأوحد لإعادة زمن القوة والتفوق.. فى رسالة «دعوتنا» يصف البنا دعوة الوطنية بالفتنة، ويؤكد أن «وجه الخلاف بيننا وبينهم أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية»، ويشترط فى رسالة «التعاليم» أن يكون كل أعضاء الحكومة مسلمين، لتنال وصف الإسلامية، مع استثناءات بتعيين غير المسلمين فى غير مناصب الولاية العامة وعند الضرورة فقط، وهو فى هذا يكرر ما جاء فى كتب الفقه السياسى القديم، قبل نشأة مفهوم الدولة الوطنية ومبدأ المواطنة.
لم يستطع البنا التفريق بين الثوابت الدينية ومعطيات الواقع التى من شأنها أن تتغير وتتطور. حكم بأن الإسلام لا يعرف إلا الانتماء للدين والأمة التى تعتنقه، واعتبر أن الدعوة إلى الدولة الوطنية خصم من رصيد الأمة الكبيرة. وحجته فى ذلك أن المسلمين الأوائل لم يعرفوا هذا المفهوم، ولو أمعن النظر لأدرك أن الإنسانية كلها، لا أمة المسلمين وحدها، لم تعرف من الانتماء السياسى إلا القبيلة أو الإمبراطورية مترامية الأطراف، وأن المسلمين الأوائل لم يكونوا بدعا فى ذلك التصور،أى أنه تصور بشرى عام، لا أمر شرعى ينبغى ألا نتجاوزه.. ومن أجل ذلك سارت جماعة الإخوان منذ تأسيسها فى طريق معاكس للحركة الوطنية فى كل بلاد المسلمين، فناصبت الدولة الوطنية العداء، ووصمتها بالدوران فى فلك المستعمر وخصوم الإسلام، وتعمقت كراهية الجماعة للوطن مع ظهور الفكر القطبيفى ستينيات القرن العشرين، الذى حكم على كل مجتمعات العالم بالجاهلية، بما فيها مجتمعات المسلمين فى أنحاء الأرض كلها، فى كتابه «معالم فى الطريق» يقول سيد قطب: «إن العالم يعيش اليوم كله فى جاهلية من ناحية الأصل الذى تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها»، ويرفض فكرة الوطن من أساسها، يقول: «الجنسية التى يريدها الإسلام للناس هى جنسية العقيدة»، ويضيف: «وطن المسلم الذى يحن إليه ويدفع عنه ليس قطعة أرض، وجنسية المسلم التى يعرف بها ليست جنسية حكم».
لم تتغير نظرة الجماعة للوطن، رغم مناوراتها المتلاحقة وزعمها الإيمان بالمواطنة والسعى للحفاظ على الدولة، ففى الوثيقة الفكرية لحركة ميدان الإخوانية تكرار للمعانى ذاتها، التى ترفض الاعتراف بالوطن وتصف الدولة الوطنية بالتماهى مع المستعمر القديم، وفى وثيقتها السياسية تحاول الحركة الإخوانية تمرير فكرة تقنين امتلاك المواطنين لأنواع مختلفة من السلاح، ويزعم عضو مكتبها السياسى محمد إلهامي، فى حوار متلفز، أن الإسلام يرفض احتكار الدولة للسلاح، داعيا إلى نشر السلاح بين المواطنين، لتصبح مؤسسات الدولة مجرد طرف يحمل السلاح بين أطراف عديدة، وغَنِى عن البيان أن من لوازم الدولة الوطنية الحديثة أن تحتكر المؤسسة العسكرية السلاح والقوة، وإلا تحولت إلى دولة ميليشيات تسودها الفوضي.. وهو ماتريده الجماعة الإرهابية لتحكم قبضتها على الدولة.
بسبب السيولة السياسية والأمنية التى مرت بها مصر بعد أحداث يناير 2011 وصلت جماعة الإخوان إلى الحكم، وسعت إلى التمكن من مفاصل دولة لا تؤمن بالانتماء إليها، ويتذكر المصريون ذلك المشهد العجيب، حينما أعلن مرشد الإخوان محمد بديع أنه يُحِلّ المرشح الرئاسى محمد مرسى من بيعته له قبل أن يصبح رئيسا لمصر، ويتساءلون فى دهشة عن تلك اللغة الغريبة وعن بيعة تبدو متعارضة مع الدور الوطني لكن بغض النظر عن هذا بالطبع كان إحلال وهمى لأن المرشد هو من كان يحكم وليس مرسى.
أسقط المصريون حكم الإخوان بعد عام واحد، وأحالوا حلم التمكين الإخوانى إلى كابوس مزعج، فاستدارت الجماعة نحو هدم الوطن والتنكيل بالمواطن، ووضعت الجماعة خطتها للعودة إلى المشهد مجددا بعد الإطاحة بها، عن طريق إحداث قدر هائل من الإضرار بالبنية التحتية والاقتصاد الوطني، إضافة إلى عمليات اغتيال ممنهجة لشخصيات سياسية وقضائية وأمنية، وخططت الجماعة للإضرار بقطاع الكهرباء وتدمير أبراج ومحولات على نطاق واسع فى أنحاء الجمهورية، ودأبت فى جمع العملة الصعبة وتخزينها وتحريض المصريين فى الخارج على عدم تحويل العملات الأجنبية لذويهم فى الداخل المصري، ونفذت بالفعل عمليات تفجير واغتيال خلال السنوات التى تلت الإطاحة بحكم الجماعة، وشرعنت لإزهاق أرواح المواطنين الأبرياء إذا وجدوا فى مسرح عملياتها الإرهابية. دلت على ذلك وثائق مسربة لما سمته الجماعة «فقه المقاومة الشعبية والعمل النوعي».
تزين الفكرة المتطرفة لأصحابها أعمالهم الإجرامية، بل وخيانتهم الوطنية، حينما ينظرون إلى العالم كله بوصفه جاهليا، ويسوون بين الوطن والاحتلال الأجنبي، وبدم بارد يتوقع محمد إلهامي، عضو المكتب السياسى لحركة ميدان الإخوانية، أن تحتل إسرائيل سيناء إذا ما نجحت خطة الجماعة فى إسقاط النظام السياسى المصري، ومن ثَمَّ إضعاف المؤسسة العسكرية المصرية، ولا يرى فى ذلك حرجا، لأن أفكار هؤلاء تبيح لهم أن يروا الدولة الوطنية والاحتلال الأجنبى وجهين لعملة واحدة.
لا توجد إذن منطقة وسطى بين الوطن وجماعة لا تؤمن بالوطن، ولا التقاء فى منتصف الطريق بين دولة وطنية وتنظيم يسعى لهدمها، يسفر عن وجهه حينا، ويتخفى خلف قناعات زائفة أحيانا.









