«ومازلت أذكر.. بأن ذلك يحدث لا لسبب إلا لكونى يهودية، وهو ما يجعلنى اختلف عن أقرانى من الأطفال الآخرين».. نتذكر تمام العلم اليقينى أن ما تعترف به جولدا عن بدايات طفولتها لم يحدث على الإطلاق، فلم يقتلها أو يذبحها أو حتى يضربها أحد من جيرانها، وكما هى اعترفت وأقرت فى نهاية الصفحة الأولى من الفصل الأول «طفولتى» إذا لماذا تكرر جولدا فى اعترافاتها فكرة أنها محل اضطهاد ممن حولها من جيرانها وفقط لأنها يهودية، على الرغم من أن شيئا لم يحدث لها أو لأهلها أو لقبيلتها، ما هذه الفكرة «المظلومية» التى تروج لها جولدا وتجتهد فى التسويق لها عبر اعترافاتها رغم أنها مجرد فكرة صنيعة أوهامها واوهام قبيلتها ولم يكن لها من الممارسات الفعلية والإجرائية فى عالم الواقع.
«ولقد مر بى هذا الشعور كثيرا خلال حياتي.. الخوف، الإحباط، الوعى بالاختلاف، والايمان الغريزى العميق بأن الفرد إذا اراد البقاء على قيد الحياة فلابد له من أن يتخذ تحركا فعالا يدفعه لتحقيق ذلك».. هذا الاعتراف هو فلسفة حقيقية لحياة وأفكار جولدا مائيير وقبيلتها على مدار العقود السبع، هى تحتاط من الآخرين وتتخذ بادرة الفعل العدائى مسبقا، وتعترف بإختلاف نوعى بينها وبين جيرانها بسبب عقيدتها، الأمر الذى صبغها بالخوف والإحباط والإيمان بالإختلاف عن الآخرين، وتلك هى مشكلة المشاكل التى لخصها كتاب «ذاك الرجل موسى والديانة التوحيدية ثلاث مقالات» وهو كتاب لـ«سيجموند فرويد» صدر بالألمانية فى سنة 1939، وهذا الكتاب «موسى والتوحيد» هو كتاب بالغ الخطورة والأهمية معا إلى حد إن فرويد نفسه لم يجرؤ على نشره إلا فى نهاية حياته، وبسبب نشره اتهمه أبناء دينه باللاسامية.. وترجمه إلى العربية جورج طرابيشي، عن دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1973.
وفرويد عالم النفس اعتبر أن الديانة اليهودية وفكرة «الإله الواحد» لم تنشأ فى صحراء سيناء، بل هى امتداد وتأثر مباشر بدعوة التوحيد التى نادى بها الحاكم المصرى إخناتون ـ وفقاً لفرويد ـ فإن عقدة اليهود تكمن فى شعورهم العميق بأن جذورهم الروحية والدينية مَدِينةُ لمصر القديمة، مما أدى إلى صراع نفسى وتاريخى لإنكار هذا التأثير أو طمسه.. وقد لخصه وقال «عقد اليهود هى الحضارة المصرية».
ونعود لاعترافات جولدا عن طفولتها: «أذكر بوضوح شديد كم كنا فقراء، لم يكن هناك إطلاقا الكفاية من أى شئ».. هذه المشاعر البائسة التى تربت عليها جولدا جعلت منها شخصا يرى العالم من حوله بمنظور عدائي، تتذكر عزيزى القارئ عندما قالت جولدا لوصف حالة الهلع التى انتباتها هى والطفلة جارتها عندما توهموا تهديد بالذبح من جيرانهم «المسيحيين».
«ثم مرت الأعوام لأمر بنفس التجربة مع أطفالى فى محاولة لتحديد أيهم يأكل أكثر من الآخرين».. وتستطرد: «لكننى فى هذا المطبخ فى كييف عرفت بالطبع أن الحياة قاسية وأنه لا يوجد عدل فى أى مكان».. يا لقسوة أفكارك أيتها المرأة بعد عقود سبع من هذه الحادثة مازالت أفكارك عن العدل كما هى لم تتغير، ولم تحدث فيك تراكم خبرات الزمن تغيرا فى أفكارك ومبادئك، مازلت تعترفين بعد أن أصبحت رئيسة وزراء الكيان ـ أعلى رتبة ـ وبالطبع أرقى مكانة، ومازلت تعترفين أنه لا عدل فى أى مكان على الأرض من طفولتك ـ زمانا ـ ومطبخ عائلتك ـ مكانا ـ فقط لمشاركة أختك طعامك، اترك لك عزيزى القاريء أن تحكم بقناعاتك على تلك الشخصية التى قادت الكيان!.
ونعود لاعتراف جولدا عن طفولتها المريرة سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.









