تقوم الجمعية المصرية لصحة الأسرة حاليًا بتنفيذ مشروع تنموى للتصدى للأمراض غير السارية فى حى دار السلام بالقاهرة، ذلك الحى الذى يطلق عليه العامة «الصين الشعبية» لكثافته السكانية الهائلة، حيث يعيش فيه أكثر من مليون مواطن فى مساحة محدودة. وهناك ترى البيوت المتلاصقة، والحوارى الضيقة، والضوضاء التى لا تهدأ، والخدمات التى تكاد تعجز عن تلبية أبسط احتياجات السكان. نحن نسمى هذه الأماكن «العشوائيات»، أما سكانها فلا يعنيهم الاسم بقدر ما يعنيهم أن يحظوا بحياة كريمة، ومدرسة جيدة لأبنائهم، ومركز صحى قريب، وشارع نظيف، ومرافق سليمة، وفرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم. فهم ليسوا من صنع المشكلة، وإنما هم أول ضحاياها. العشوائيات لم تنشأ بين ليلة وضحاها، ولم تكن قدرا محتوما، وإنما جاءت نتيجة سنوات طويلة من الغفلة وسوء التخطيط. فحين يغيب التخطيط العمراني، ويضعف تطبيق القانون، وتتراجع هيبة الإدارة المحلية، يصبح البناء المخالف هو البديل الذى يلجأ إليه الناس، فتُغتصب الأراضى الزراعية، وتُستباح أملاك الدولة، ثم يتحول الخطأ مع مرور الزمن إلى أمر واقع يصعب تغييره.. العشوائيات إرث ثقيل أنهك برامج التنمية.
فلاتكاد تخلو محافظة مصرية من مناطق غير مخططة أو تعديات على الأراضى الزراعية وأملاك الدولة، إلا أن القاهرة الكبرى كانت صاحبة النصيب الأكبر. فمن الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، امتدت الكتل الخرسانية فوق أجود الأراضى الزراعية التى كانت يومًا سلة غذاء للوطن. وكل من يدخل القاهرة من مداخلها المختلفة يرى تكدسا لا تنتهى من مبانى الطوب الأحمر التى زحفت فوق الحقول الخضراء حتى ابتلعتها بالكامل.
ولم تكن خسارتنا فى ضياع آلاف الأفدنة من الأراضى الزراعية وحدها، بل فى نشأة تجمعات سكانية تعانى ضغطاً هائلاً على المرافق العامة، واكتظاظا فى المدارس، وتراجعًا فى مستوى الخدمات الصحية، وغيابا للمساحات الخضراء، وتلوثا بيئيا متزايدا. ومع مرور الوقت لم تعد العشوائية فى شكل المبانى فقط، بل امتدت إلى الفكر والسلوك وأنماط الحياة، نتيجة الفقر، وضعف التعليم، وتراجع دور الأسرة، والشعور بالتهميش. وهنا تكمن أخطر آثار العشوائيات، لأنها لم تعد مشكلة عمران، وإنما أصبحت قضية تنمية إنسانية متكاملة.
ورغم أن الدولة بذلت خلال السنوات الأخيرة جهودا كبيرة فى القضاء على المناطق العشوائية غير الآمنة، ونقلت آلاف الأسر إلى مساكن حضارية تليق بكرامة الإنسان، وهو إنجاز يستحق كل التقدير، فإن حجم التحدى لا يزال هائلا. فالإدارات المحلية مطالبة بالتعامل مع ملايين السكان، وملايين المبانى المخالفة، وشبكات مرافق متهالكة، وخدمات تحتاج إلى تطوير مستمر.
لكننى على يقين بأننا نسير فى الاتجاه الصحيح. ويبقى المطلوب هو استكمال هذا الطريق بمنظومة قومية متكاملة تقوم على حماية الأراضى الزراعية وأملاك الدولة بكل حزم، ومنع أى تعدٍ منذ لحظاته الأولي، وتطبيق القانون دون تردد، مع تطوير منظومة الإدارة المحلية وتزويدها بالإمكانات والصلاحيات التى تمكنها من أداء دورها بكفاءة. فما حدث فى الماضى يجب ألا يتكرر مرة أخرى.









