التوسع فى زراعته.. فرصة مهمة لدعم الاقتصاد الوطنى
التين الشوكى «ذهب الصحراء» «فاكهة الفقراء» تحول إلى محصول استثمارى يحقق أرباحًا كبيرة للمزارعين، كما يدخل فى صناعات غذائية وتجميلية متعددة، وتستخدم مخلفاته كعلف للحيوان، فضلاً عن قيمته البيئية فى مكافحة التصحر وترشيد استهلاك المياه.
فهو نبات سهل زراعته، منخفض تكلفته، قادر على حماية نفسه بأشواكه، كما أنه من الأشجار المعمرة التى تظل منتجة عشرات السنين، ويتجدد عطاؤه عامًا بعد آخر..وينمو فى مختلف أنواع الأراضى، سواء أكانت طينية أو رملية أو صحراوية، وتتعدد أصنافه بين الأصفر السكرى، والأخضر، والأحمر البرقوقى.. ويبدأ إنتاجه بعد عام واحد فقط من الزراعة، بينما يمتد موسم حصاده لنحو خمسين يومًا، من أول يوليو وحتى منتصف أغسطس.. أشهر محافظات زراعته: المنيا، والإسماعيلية، والسويس، والقليوبية، والمنوفية، ومطروح، والبحيرة .
«الجمهورية» بحثت مع الخبراء والمتخصصين والمزارعين قصة التين الشوكى الذى أصبح متعدد المنافع ويفتح الباب للاستثمار فى فوائده حيث يوضح المهندس مرزوق أحمد، أحد مزارعى التين الشوكى بقرية على مبارك بالنوبارية، أن التين الشوكى لم يعد فاكهة الفقراء فقط، بل أصبح من الفواكه المفضلة لدى شريحة كبيرة من المستهلكين، وتحول إلى واحد من أكثر المحاصيل ربحية خلال السنوات الأخيرة، خاصة أنه يمكن زراعته فى بيئة صحراوية حيث يتحمل الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة التى قد تصل 50 درجة مئوية، كما يتحمل ملوحة المياه حتى 3آلاف جزء فى المليون، وينمو بكفاءة فى الأراضى الرملية والفقيرة التى يصعب زراعة كثير من المحاصيل بها، فلا يحتاج التين الشوكى سوى كميات قليلة من المياه مقارنة بمحاصيل الفاكهة الأخرى مثل: المانجو، والبرتقال، والجوافة، والكمثرى، كما يحظى بطلب متزايد فى السوق المحلية وأسواق التصدير.
أشهر مناطق زراعته
فيما أكد د.الحسينى غلاب، مدير مديرية زراعة النوبارية، أن مناطق مطاى وسمالوط ومغاغة بالمنيا، وأبو زعبل والدير بالقليوبية، والإسراء والمعراج بوادى النطرون، وعلى مبارك والإمام مالك بالنوبارية، تشتهر بإنتاج أجود الأصناف، وعلى رأسها الصنف الأصفر السكرى، حيث يبدأ موسم الحصاد بمحافظة المنيا، ثم ينتقل إلى الإسماعيلية والسويس والقليوبية، ثم مدينة السادات والأخماس بالمنوفية، فالعلمين، وأخيرًا البحيرة، وذلك خلال الفترة من أول يوليو وحتى منتصف أغسطس من كل عام، مضيفًا أن إجمالى المساحة المنزرعة بالتين الشوكى فى منطقة النوبارية تبلغ 3361 فدانًا، ويبلغ متوسط إنتاجية الفدان 15 طنًا.
فيما يوضح محمد عبدالله عبدالكريم، أحد مزارعى التين الشوكى بقرية الإسراء والمعراج بوادى النطرون، أن زراعة التين الشوكى يمكن أن تتم على مدار العام، مع تجنب فترات الانخفاض الشديد فى درجات الحرارة، خاصة خلال شهرى نوفمبر وديسمبر وتعتبر زراعته من أسهل الزراعات، حيث يتم غرس «اللوح» أو «الكف» فى التربة بعمق يقارب 10سنتيمترات، مع ترك مسافة لا تقل عن ثلاثة أمتار بين كل نبات وآخر، بما يسمح بتوفير التهوية الكافية وأشعة الشمس اللازمة للنمو والإثمار، مبينًا أن التين الشوكى ينطبق عليه المثل الشعبى: «زى الفريك ما يحبش شريك»، فلا يفضل زراعة أى محصول آخر بجواره، نظرًا لسرعة تكاثره وخروج ألواح جديدة من اللوح الواحد، وهو ما يحتاج إلى مساحة كافية للنمو، ناصحًا باختيار كف ناضج وسليم، ثم يترك فى الظل من خمسة إلى عشرة أيام حتى يجف موضع القطع قبل الزراعة، بما يضمن نجاح عملية الإنبات ويقلل فرص الإصابة بالأمراض.. شارحًا احتياجات التين الشوكى من المياه بأنها تعد من أقل الاحتياجات بين محاصيل الفاكهة، إذ تروى الأراضى الرملية كل ثلاثة أيام لمدة ساعتين فى بداية الزراعة، بينما تروى الأراضى الثقيلة أو الحمراء كل خمسة عشر يومًا لمدة ساعتين.
وبعد نحو أربعين يومًا من الزراعة، يحتاج النبات إلى كمية محدودة من المياه تصل 5مرات خلال العام الأول وتبدأ تقل تدريجيا بما يمنحه ميزة اقتصادية كبيرة مقارنة بالمحاصيل الأخرى، وأما التسميد، يتم بإضافة «شيكارة يوريا» واحدة لكل 5أفدنة كل 40 يومًا خلال العامين الأولين، ثم يضاف السماد البلدى الناتج من روث الماشية أو سبلة الدواجن، مع الردم والرى مدة ساعتين، قبل أن يدخل النبات مرحلة الاستقرار والإنتاج الكامل.
كاشفًا أن «التصويم» يعد من أهم أسرار نجاح محصول التين الشوكى، حيث يتم وقف الرى خلال فصل الشتاء، بداية من شهر سبتمبر وحتى منتصف فبراير تقريبًا، وهذه العملية تؤدى إلى تنشيط الإزهار وزيادة عقد الثمار، وعدم تطبيق نظام التصويم يؤثر بصورة مباشرة فى كمية الإنتاج وجودته خلال الموسم التالى.
الرش والتزهير.. حماية للمحصول
فيما أشار عبدالجواد فتحى حامد، أحد مزارعى التين الشوكى، إلى أن مرحلة التزهير تحتاج عناية خاصة، إذ يتم استخدام أقراص مخصصة للرش، يبلغ سعر القرص الواحد نحو 30 جنيهًا، وتحتاج مساحة خمسة أفدنة إلى ستة أقراص تقريبًا، ويضاف إلى محلول الرش نحو كيلو من البوتاسيوم وثلاثة كيلو من نترات الماغنسيوم، بهدف تقوية الأزهار، ومنع تساقطها، وتحسين حجم الثمار وجودتها، وأن اللوح الواحد لا يتوقف عطاؤه بعد جمع الثمار، بل يعاود إنتاج براعم جديدة خلال الموسم نفسه، وهو ما يمنح النبات قدرة إنتاجية مرتفعة، وأن الزراعة باستخدام «اللوح» تحتاج 3سنوات للوصول إلى الإنتاج الكامل، بينما تقل المدة إلى عامين تقريبًا عند استخدام طريقة «الكتف».
أرباح مرتفعة بأقل التكاليف
فيما أعلن محمد جميل شفيق أبوصالح، أحد المزارعين، أن التين الشوكى من أكثر المحاصيل تحقيقًا للعائد الاقتصادى، مقارنة بانخفاض تكاليف زراعته، فلا تتجاوز تكلفة زراعة 5 أفدنة، بما تشمل شراء الشتلات ونقلها وغرسها، أكثر من 4 آلاف جنيه، بينما تصل تكلفة الأسمدة الكيماوية نحو 5 آلاف جنيه، ويبلغ ثمن السماد البلدى قرابة 12 ألف جنيه، إضافة إلى تكاليف الرى والسولار، لتصل إجمالى المصروفات نحو 21 ألف جنيه تقريبًا، ويبدأ المحصول فى الإنتاج بعد عام واحد من الزراعة، ثم تتزايد الإنتاجية بصورة ملحوظة خلال العامين الثالث والرابع، ومتوسط إنتاج الفدان يحقق عائدًا يتراوح بين 70 و80 ألف جنيه فى الموسم، وهو ما يجعل التين الشوكى من أفضل المحاصيل الاقتصادية، خاصة فى الأراضى الصحراوية والهامشية التى يصعب استغلالها فى زراعات أخرى.
ثروة زراعية
لم يعد التين الشوكى مجرد ثمرة صيفية تنتشر فى الشوارع والميادين، وإنما أصبح محصولاً يحمل العديد من المقومات الاقتصادية والغذائية والطبية، خاصة فى ظل قدرته الكبيرة على تحمل الظروف المناخية الصعبة وقلة احتياجاته المائية، وهو ما يجعله من المحاصيل الواعدة فى الأراضى الصحراوية المصرية.
أكد د.محمد بحيرى، خبير زراعى، أن التوسع فى زراعة التين الشوكى يمثل فرصة مهمة لدعم الاقتصاد الوطنى، مشيرًا أن النبات يتحمل الظروف الجوية القاسية فى الصحراء، ويحتاج إلى كميات محدودة من المياه، كما يتحمل درجات عالية من الملوحة، وتمتلك مصر مساحات شاسعة من الأراضى فى الصحراء الشرقية والغربية والسواحل الصحراوية ومناطق عديدة بسيناء يمكن استغلالها فى زراعة التين الشوكى، خاصة المناطق التى تعتمد على مياه الأمطار أو الآبار، بما يحقق قيمة اقتصادية مضافة، موضحا أن إنتاج الفدان الواحد 8 أطنان، ويبيع الفلاح الكيلو بسعر 10 جنيهات، ويحقق إيرادًا يصل نحو 80 ألف جنيه، وهو ما يؤكد الجدوى الاقتصادية الكبيرة لهذا المحصول، وهناك قيمة اقتصادية للتين الشوكى لا تقتصر على الثمار فقط، إذ تدخل بذوره فى إنتاج أحد أغلى الزيوت الطبيعية المستخدمة فى صناعة مستحضرات التجميل، وزيت بذور التين الشوكى يستخدم فى ترطيب البشرة، ومقاومة علامات تقدم السن، وتقليل التجاعيد والترهلات، ويعد من الزيوت مرتفعة القيمة فى الأسواق العالمية، حيث يصل سعر اللتر منه إلى مستويات مرتفعة للغاية، كما تدخل قشور الثمار فى بعض الصناعات الغذائية، مثل إنتاج السكريات والكحول والخل، بما يعظم الاستفادة من النبات ويقلل الفاقد.
مضيفا أن التين الشوكى يمثل أيضًا مصدرًا مهمًا لتغذية الحيوان، حيث تستخدم ألواحه الخضراء بعد إزالة الأشواك كعلف غنى بالمياه والعناصر الغذائية، وهو ما يمكن أن يسهم فى تقليل تكلفة الأعلاف، خاصة مع ارتفاع أسعارها خلال الفترة الأخيرة، كما تتميز ألواح التين الشوكى بقدرتها على الاحتفاظ بكميات كبيرة من مياه الأمطار، مما يجعلها نباتًا مناسبًا للمناطق الجافة وشبه الجافة.
مقاوم للتصحر والتغيرات المناخية
أوضح المهندس ناصر محمد أبو طالب، وكيل وزارة الزراعة بالبحيرة، أن التين الشوكى يعد من الكنوز الزراعية المهمة فى مصر، نظرًا لقدرته على مقاومة التصحر، فضلاً عن دوره فى تحسين استغلال الأراضى الصحراوية، وتشجع الدولة المزارعين على التوسع فى زراعة هذا المحصول، والعمل على زيادة إنتاجه وتوجيهه إلى أسواق التصدير الأوروبية، خاصة أن الطلب العالمى على المنتجات الطبيعية والصحية فى تزايد مستمر، كما أن ثمرة التين الشوكى تحمل فوائد اقتصادية وطبية متعددة، حيث يستخرج منها الزيت المستخدم فى ترطيب البشرة ومقاومة الشيخوخة، كما تستخدم أجزاء أخرى من النبات فى صناعات مختلفة، وثمار التين الشوكى تعد مصدرًا مهمًا للعديد من العناصر الغذائية، فهى غنية بفيتامين «سى»، وتساعد على دعم صحة القلب، كما تحتوى على ألياف غذائية تساهم فى تحسين وظائف الجهاز الهضمى، وتشير الدراسات إلى ارتباط تناول التين الشوكى بالمساعدة فى تنظيم مستويات السكر فى الدم ودعم صحة الجسم، إلى جانب دوره فى ترطيب الجسم لاحتوائه على نسبة مرتفعة من المياه.
كاشفًا أن نجاح دول مثل تونس والمغرب والأردن فى التوسع بزراعة التين الشوكى وتصدير منتجاته إلى الأسواق الأوروبية يؤكد أهمية استغلال الإمكانات المصرية فى هذا المجال، وأن التين الشوكى ليس مجرد محصول موسمى يزين شوارع مصر فى الصيف، بل مشروع زراعى متكامل يجمع بين قلة التكلفة، وتحمل الظروف الصعبة، وتعدد الاستخدامات، وارتفاع القيمة الاقتصادية.
وبينما تبحث مصر عن محاصيل جديدة تتناسب مع تحديات المناخ وندرة المياه، يظل التين الشوكى أحد الخيارات الواعدة التى يمكن أن تحول مساحات واسعة من الأراضى الصحراوية إلى مناطق إنتاجية تحقق عائدًا للمزارع وتدعم الاقتصاد الوطنى، فهو محصول يخرج من بين الأشواك حاملاً فرصًا كبيرة.. وذهبًا أخضر ينتظر مزيدًا من الاهتمام والاستثمار.









