تخيل أن تكتشف فجأة أن هناك رقم محمول مسجلًا باسمك.. وأنت لا تعرفه! لم تشتره، ولم تطلبه، ولم تحمله يومًا، لكنه في سجلات المنظومة الرقمية أصبح «رقمك». هنا لا يجب أن يكون السؤال: من استخدم الرقم؟ وإنما السؤال الأخطر: كيف أصبح الرقم باسمك من الأساس؟
ثلاثة آلاف شكوى في يومين فقط ليست مجرد مشكلة في تسجيل خطوط المحمول، وإنما جرس إنذار بشأن قضية أكبر بكثير: هوية المواطن الرقمية.
وإحالة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة للتحقيق في وقائع تسجيل خطوط بأسماء مواطنين دون علمهم أو حيازتهم، خطوة مهمة، لكنها يجب ألا تكون نهاية القصة، بل بداية لإعادة النظر في منظومة تسجيل الخطوط بالكامل.
فالقضية لم تعد مجرد «شريحة» إضافية. رقم المحمول أصبح بوابة إلى تطبيقات وحسابات وخدمات مالية ورقمية، ورسائل تحقق، ومحافظ إلكترونية، وبالتالي أصبح جزءًا من هوية المواطن الرقمية. فكيف نقبل أن يكون هذا المفتاح مرتبطًا باسم مواطن دون علمه؟
بدلًا من أن ننتظر المواطن حتى يكتشف المشكلة ثم نطلب منه أن ينكر حيازته، يجب أن تمنع المنظومة المشكلة من البداية. بدلًا من سؤال المواطن: «الرقم ده بتاعك؟» يجب أن يكون السؤال: «هل أنت فعلًا الشخص الذي طلب تسجيله؟»
وهنا تأتي البصمة البيولوجية كحل يستحق الدراسة الجادة. بطاقة الرقم القومي تقول: هذا اسم المواطن، لكن بصمة الإصبع أو الوجه تقول: هذا هو المواطن نفسه الموجود أمامنا الآن.
تطابق الهوية الرسمية مع الشخص الحقيقي ومع الخط الذي يتم تفعيله، يمكن أن يغلق واحدة من أخطر ثغرات تسجيل الخطوط، ويجعل استخدام بيانات مواطن في إنشاء رقم دون علمه أكثر صعوبة.
ولا يعني ذلك تعقيد حياة الناس أو تحويل شراء خط إلى سلسلة من الإجراءات، وإنما استخدام التكنولوجيا لحماية المواطن. فإذا كانت البصمة تستطيع حماية الحسابات والمعاملات، فلماذا لا تساعد في حماية رقم المحمول؟
لكن البصمة وحدها ليست الحل. نحتاج إلى منظومة متكاملة: المواطن يعرف جميع الأرقام المسجلة باسمه، ويتلقى تنبيهًا فوريًا عند تسجيل رقم جديد، ويملك وسيلة سهلة للاعتراض والإلغاء، مع رقابة إلكترونية تمنع الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة.
الأزمة الحالية يجب أن تكون فرصة للانتقال من «إنكار الحيازة» بعد وقوع المشكلة إلى «إثبات الحيازة» قبل وقوعها. من منظومة تقول للمواطن: «اكتشفنا لك رقمًا»، إلى منظومة تقول له: «لم نسمح أصلًا بتسجيل الرقم إلا بعد التأكد أنك صاحبه».
لقد انتهى زمن النظر إلى رقم المحمول باعتباره مجرد شريحة. الرقم أصبح هوية.. والهوية تحتاج إلى حماية.
فإذا كانت البصمة تستطيع أن تقول: «هذا أنا».. فلماذا لا تقول أيضًا: «هذا رقمي»؟
لأن أخطر ما في أن يحمل شخص آخر رقمًا باسمك ليس أنك لا تعرف الرقم.. بل أن العالم الرقمي قد يعرفه باسمك.. قبل أن تعرف أنت بوجوده.








