كتب : عاطف سيد الأهل
بعد عودة جنود الكتيبة تسابار من مهام قتالية لمدة 3 سنوات فى لبنان خاضت خلالها كل المعارك هناك ، وكانت آخر من غادر بعد انقضاء مدتها هناك ، وتعيين قائد جديد للكتيبة منذ 5 شهور برتبة مقدم ، أمر القائد باجراء تفتيش شامل لمعدات الكتيبة ، وأكتشف وجود حاوية مغلقة تابعة للسرية داخل الكتيبة بها لافتات وملصقات تتضمن اساءات نفسية يرتكبها الجنود القدامى بحق الجنود الجدد ، وهو ما اعتبره أمرًا لايتناسب مع قيم لواء جفعاتى التابع له الكتيبة.
أمر قائد الكتيبة بالتخلص من هذه الملصقات فى حاوية النفايات ، الا أن اربعة جنود من الكتيبة خالفوا الأمر وأعادوها إلى مكانها ، وهذا التصرف دفعه إلى تحطيم كل الملصقات بمطرقة مما أثار غضب 100 من الجنود وتركوا معداتهم وأسلحتهم وغادروا الكتيبة .
كان تبرير الجنود الـ 100 الذين غادروا أن اللافتات هى عبارة عن ارث متوارث داخل السرية منذ سنوات ، وأنها تنتقل من دفعة إلى أخرى ، كما أنها ترمز لوحدة المقاتلين وروحهم المعنوية، وأن عملية تحطيمها تعد بمثابة مساس برمز السرية وكرامتهم.
اختتمت المحاكمات العسكرية للجنود المتمردين فى الكتيبة المذكورة بعد اكمال الجيش جلسات استماع بحضور قائد لواء جفعاتى العقيد نتانيل شامكا فى 30 يوليو 2026 وكانت النتائج كالتالى :
الحكم على 18 جنديا بالسجن لمدة شهر واقصاؤهم من الخدمة القتالية
اخضاع 80 جنديا لبرنامج تأديبى لتعزيز الانضباط والقيم بين الجنود وقادتهم
لم يتعرض قائد الكتيبة لأى عقوبة رغم توجيه انتقادات لسلوكه وعدم حسن تصرفه، وذلك نتيجة تدخل قائد الفرقة 162 العميد ساجيف داهان والذى تتبع له الكتيبة .
اعتبر المحللون فى اسرائيل أن هذا التمرد يعكس أزمة قيادة داخل الجيش الاسرائيلي، فقادة الجيش منذ أحداث 7 اكتوبر 2023 يتعرضون للهجوم من المستوى السياسى والائتلاف المتطرف
فقد أشار معهد دراسات الأمن القومى الاسرائيلى إلى أن ماجرى من تمرد كان معبرا عن رأس الجليد فقط فالأزمة عميقة وهى أزمة قيادة بالأساس ، والحادث يعكس عمق المعاناه النفسية والاجتماعية التى يعيشها الجنود وانعكاساتها على أسرهم والمجتمع ، وأنه قد جاء فى وقت استنزاف ونقص الموارد البشرية فى الجيش بجانب التحديات على جبهات مختلفة ، وفقدان الحروب الاسرائيلية الشرعية الدولية ، فضلا عن ان القوات البرية الاسرائيلية قد تعرضت للاهمال والتقليص على مدى ثلاثة عقود .
تسببت الحرب فى غزة فى حالات اضطرابات نفسية واجتماعية واسعة النطاق ، وتحولت هذه الاضطرابات الى تحد استراتيجى لايقل أهمية عن التحديات الميدانية، فقد ارتفعت حالة اضطرابات ما بعد الصدمة الى نسبة 40 % بين الجنود منذ عام 2023 ، كما عانى نحو 60 % من الجنود المصابين من اضطرابات نفسية ، بجانب حالات انتحار بلغت خلال الفترة من 2023 – 2025 الى 279 حالة ، اضافة الى 10 حالات انتحار منذ بداية عام 2026 ، وقد تزامن ذلك مع عجز فى الكوادر المتخصصة فى الصحة النفسية مما ترتب عليه وجود قوائم انتظار للجنود وأسرهم ، يضاف الى ذلك الاجهاد النفسى الذى يتعرض له جنود الاحتياط لاستدعائهم بشكل متكرر ، وتسريح الجيش للمئات من الجنود لأسباب نفسية ، وتجنيد الجيش لمصابين بأمراض نفسية دون مراعاة لتقييم حالاتهم .
شهدت السنوات القلائل الماضية تراجع الانضباط داخل الجيش الاسرائيلى خاصة ابان فترة التعديلات القضائية عام 2023 ، وتزايدت دعوات ضباط وجنود الاحتياط لعدم الامتثال لتنفيذ الخدمة الاحتياطية ، وتوقيع نحو 330ضابط احتياط احتجاجات على التعديلات ، وكانت الاشكالية الأساسية التى تواجهها اسرائيل هى خدمة الاحتياط فى القوات الجوية والتى تعد الأهم فى الجيش الاسرائيلى خاصة وأن أفراد هذه القوات يتم استدعاؤهم يوما كاملا كل اسبوع اما لخوض تدريب أو للقيام بعمليات عسكرية .
لم تكن حالة التمرد الأخيرة هى الحالة الوحيدة التى شهدها الجيش الاسرائيلى ، فقد شهد الجيش عدة وقائع مماثلة لم يسلط عليها الضوء آنذاك نظرا لعدم وجود وسائل التواصل الاجتماعى ، فقد تمردت الكتيبة 51 فى قاعدة تسيئيليم فى التسعينيات بعد تعرضها لخسائر كبيرة اعتراضا على سوء معاملة النظام لهم بعد الحرب، كما غادر نحو 90 من مقاتلى لواء جولانى قاعدتهم العسكرية عام 2007 خلال تدريب عسكرى ، ورفض مقاتلو اللواء السابع مدرعات تنفيذ الأوامر عام 2012 ….
وفى مايو 2024 نشر الاعلامى الاسرائيلى يانون مجال – المقرب من نتنياهو – فيديو اطلق عليه تمرد تم تصويره فى قطاع غزة ظهر فيه جندى احتياط يطالب بالتمرد على وزير الدفاع ورئيس الأركان وعدم الاصغاء الا لبنيامين نتنياهو ، وطالب فيه أيضا بابادة سكان غزة وأطفالهم ،، وهذا الفيديو حصد مئات الآلاف من المشاهدات ، وكان يشتمل أيضا على عبارات من حركة كاخ المتطرفة ، وعقيدة الخلاص اليهودية .. وتم اخضاع الجندى للتحقيق وطرده من الخدمة.
كان رئيس الأركان الاسرائيلى مدركا لحجم المشكلات التى يعانى منها الجيش ، فقد سبق أن حذر أكثر من مرة أن الجيش يتجه نحو الانهيار من الداخل فى ضوء تزايد الأعباء على الاحتياط ، وعدم اقرار قوانين تتعلق بالتجنيد ، خاصة وأن 90 ألف شاب حريدى متهرب من التجنيد، وأن هناك نقصاً فى الوحدات القتالية واعداد الجنود فيها، كما دعا ايضا الى صياغة وثيقة مباديء تهدف الى معالجة مسألتى القيم والانضباط داخل الجيش خاصة وأن التهديد يأتى من الداخل فالاحتياط يمثل نحو 70 % من العدد الكلى للجيش الاسرائيلى ، و17 % من ضباطه ، و6 % من السكان .وأن نسبة الانتحار بين جنود قوات الاحتياط مقارنة بالجنود النظاميين 5 مقابل 3عمليات التمرد داخل الجيش الاسرائيلى قابلة للتكرار نظرا لحالة الاستنزاف والانهاك المستمرين للجنود، وفقدان الثقة فى القيادات، ويساهم فى ذلك البيئة التى جاء منها الجندى وملابسات خدمته والتعليمات التى تلقاها
لم يكن البعد الاقتصادى بمعزل عن تداعيات الأزمات النفسية داخل الجيش الاسرائيلى ، فقد أصدر مركز ناتال الاسرائيلى المختص بالصدمات النفسية أن هذه التداعيات ستصل تكلفتها الى نحو 500 مليار شيكل أى نحو 160مليار دولار نتيجة تراجع الانتاجية لهؤلاء الجنود ، وحالات الادمان المترتبة على ذلك والعنف الأسرى وحوادث المرور وفرص العمل وغيرها من العوامل التى ستتأثر أو تنعكس عليها هذه الخدمات.
الصورة فى مجملها تعكس تداعياتها على الجيش الاسرائيلى الذى يروج له الاعلام الصهيونى بأنه أفضل جيش أخلاقى فى العالم ، فقد حاز موضوع التمرد على تغطية واسعة من جانب حسابات عربية وأجنبية ، ومن عجائب القدر أن يكون المكان الذى شهد هذا التمرد « سديه تيمان» الواقع قرب بئر سبع والذى ارتبط بأكثر الجرائم تعذيبا للفلسطينيين منذ عام 2023 ، أن يشهد أيضا خروجا على الانضباط العسكرى فى الجيش الاسرائيلى ، وأن يكون محل احتفاء الحسابات الناطقة باللغة العربية.









