الأربعاء, أكتوبر 14, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا
  • من نحن

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية ملفات

حين تتحوّل المعركةُ من ساحاتِ القتال إلى فضاءات الوعى

التجربة المصرية فى مواجهة التطرف.. نموذجًا

بقلم د. إبراهيم نجم
10 أغسطس، 2026
في ملفات
قائمة ترشيحات «أهلاوية».. وإنهاء العلاقة مع «كريستو»
16
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

٤٣٣ مليار دولار  حجم سوق التعليم  العالى الدولى عام ٢٠٣٠.. نصيب مصرلانها تمتك القدرة

منذ اللحظة التى رُفعت فيها راياتُ الهزيمة على آخر جيوب تنظيم داعش سوريا، ومنذ أُعلن فى أكثر من عاصمة أن «الحرب الكبرى على الإرهاب» قد أوشكت على النهاية، تسلّل إلى الوجدان العام تصوّرٌ مُريحٌ ومُخادعٌ فى آنٍ واحد: أن ظاهرة التطرف قد وُضعت فى طريقها إلى الانحسار، وأن العالم قد تفرّغ لأولوياتٍ أخري، من المناخ إلى الاقتصاد والتنمية.

غير أن قراءةً منصفةً لخريطة العالم فى السنوات الأخيرة تكشف أننا لم نشهد تراجعًا حقيقيًا لهذه الظاهرة، بل شهدنا إعادةَ تموضعٍ كاملةً لخريطتها، فالخطر لم يُهزم، وإنما تنقّل، وتحوّل، واكتسى أشكالًا أكثر خفاءً وأشدَّ تعقيدًا مما عرفته البشرية طوال ربع قرن.

الحقيقة الصادمة التى كشفها مؤشر الإرهاب العالمى فى تقريره الأخير الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام فى مايو الماضي، أن مركز الثقل الميدانى للإرهاب المسلح فى العالم لم يعد فى الشرق الأوسط ولا فى جنوب آسيا، بل انتقل بصورةٍ حاسمة إلى منطقة الساحل الإفريقى وامتداداتها، فمنطقة الساحل وحدها باتت تستأثر بأكثر من نصف وفيات الإرهاب على مستوى الكوكب، بعد أن كانت لا تتجاوز حصّتها واحدًا بالمئة قبل نحو عشرين عامًا فقط، وهو ما يعنى ارتفاعًا يقارب عشرةَ أضعاف منذ عام 2007 ، وفى جلسات مجلس الأمن الدولى المتعاقبة فى الأشهر الأخيرة، خرج الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش يصف الوضع الأمنى فى غرب إفريقيا والساحل بأنه يزداد حرجًا يومًا بعد يوم، محذّرًا من تأثيرِ «الدومينو الكارثيّ» الذى يتهدد المنطقة بأسرها، ومنبّهًا إلى أن الساحل بمفرده أضحى مسؤولًا عن أكثر من نصف الضحايا العالميين للإرهاب، وأوضحت الأمم المتحدة أن نحو أربعمئة وخمسين حادثةً إرهابية سُجّلت فى المنطقة من يناير إلى نوفمبر الماضى وحدهما، خلّفت قرابة ألفَى قتيل، منها أكثر من ثمانين بالمئة فى الساحل المركزى وحده

ومن أشد عشر دول تأثّرًا بالإرهاب فى العالم اليوم تقع فى هذه المنطقة، تتصدّرها بوركينا فاسو ومالى والنيجر ونيجيريا، مع امتدادات إلى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، أما التنظيمات المسؤولة عن هذا التوسع فهى فى مقدّمتها: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنظيم الدولة الإسلامية فى غرب إفريقيا، وداعش فى غرب إفريقيا، وبوكو حرام، وقد فرضت هذه الجماعات واقعًا مأساويًا يتمثل فى إغلاق أكثر من أربعة عشر ألف مدرسة، وتعطيل مئات المرافق الصحية، وتشريد ملايين المدنيين من ديارهم.

وعلى الضفة المقابلة من العالم، لم يكن المشهد أقلَّ إثارةً للقلق، ففى قلب الديمقراطيات الأوروبية والأمريكية، برز وجهٌ آخر للتطرف يتمثّل فى صعود التيارات اليمينية المتطرفة والشعبوية، حتى غدت جزءًا من الحكومات والائتلافات الحاكمة فى دولٍ عدة كإيطاليا والمجر وفنلندا والسويد وسلوفاكيا والنمسا، ودفعت أحزاب التيار الرئيسى فى ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا إلى مجاراة خطابها المعادى للمهاجرين والمسلمين ولغةُ الكراهية باتت مؤسّسيةً معتمدة، لا هامشيةً مستنكرة، وصار ما كان يُقال فى زوايا الحانات يُقال اليوم من على منابر البرلمانات.

نحن إذًا أمام مشهدٍ مزدوج: تنظيماتٌ مسلحة تعيد إنتاج نفسها فى مناطق الهشاشة والفشل، وخطاباتُ كراهيةٍ مؤسسية تتقدّم فى قلب الديمقراطيات الليبرالية، وبين الجناحَين، يجد المسلم المعتدل نفسه محاصرًا: مطلوبٌ منه أن يواجه غلوًّا يتحدّث باسم دينه، وأن يتصدّى فى الآن ذاته لعنصريةٍ تستهدفه لمجرد انتمائه.

داعشُ الفكرى

من الخطأ المنهجى الجسيم أن يخلط المُحلّل بين تفكيك البنية العسكرية للتنظيمات المتطرفة وتفكيك بنيتها الفكرية فداعش، وإن فَقَد دولته الجغرافية، وخسر قياداته الميدانية فى أكثر من مسرح، إلا أنه احتفظ بأخطر ما كان يملك: منظومته العقدية المشوّهة، وقدرته على استقطاب الأفراد عبر الشاشات لا عبر الجبهات، وما ترصده وحداتُ الرصد للجماعات المسلحة والتكفيرية، يؤكد أن الخطاب الداعشى قد تحوّل إلى ما يمكن تسميته فيروسًا منخفض الشدة، يَبُثّ هذا الفيروسُ نفسَه فى مقاطع قصيرةٍ على المنصات، وفى منشوراتٍ مجهولة، وفى فتاوى فردية تُنشر بأسماء مستعارة، ثم يجد من يتلقّفها من شبابٍ مأزومٍ يعانى فراغًا معرفيًا وأزمة معني.. والتنظيم انكفأ عسكريًا، لكنه توسّع دلاليًا؛ لأن الفكرة إذا لم تُواجَه بفكرة، تبقى قابلةً للانتشار حتى بعد سقوط حاملها، وفى هذا نقطةٌ منهجية بالغة الأهمية: كثيرٌ من المؤسسات الأمنية العربية والغربية وقعت فى وَهْمِ إعلان النصر بمجرد إسقاط العلم الأسود من فوق مبنى الرقة أو الموصل، متجاهلةً أن التنظيم كان قد سبق أن دفن بذوره فى تربةٍ رقمية لا تعرف الجغرافيا فالمقاتل الذى قُتل فى الميدان يمكن أن يخلّف وراءه فى «تليجرام» و«تيك توك» و«إكس» عشراتِ الحسابات المستعارة التى تُواصل نشر خطابه لسنوات.

من هنا فإن معركتنا اليوم مع داعش الفكرى أشدُّ ضرورةً من معركتنا معه بالسلاح، وهى معركةُ تأصيلٍ شرعى منضبط، وتفكيكٍ للشبهات، وبناءِ مناعةٍ معرفية للأجيال الجديدة وهى المعركة التى يجب أن تنهض بها اليوم المؤسسات الدينية بأدواتٍ تجمع بين الفتوى المؤصّلة، والمرصد الرقمي، والمحتوى الرصين المُصاغ بلغة الشباب.

الدعايةُ الحسابية

ولعلّ التحوّل الأخطر الذى يتشكّل أمامنا اليوم يكمن فى اقتران هذا الخطاب المتحوّل بأدوات الذكاء الاصطناعى التوليدي. فقد رصدت تقارير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب الصادرة فى العامين الأخيرين أن الجماعات المتطرفة  —  من اليمين الأبيض المتطرف فى الغرب إلى الفلول الإسلاموية المسلحة فى مناطق النزاع —  باتت توظّف نماذج اللغة الكبيرة، ومقاطع الفيديو المزيّفة، فى إنتاج دعايةٍ مخصّصة، وصناعة هوياتٍ وهمية، وتوليد خطابٍ تحريضيّ بلغاتٍ ولهجاتٍ متعددة، وبتكلفةٍ تكاد تكون صفرًا.

ما يعنيه هذا عمليًا أمرٌ فى غاية الخطورة: لم يعد التنظيم يخاطب الجمهور ككتلةٍ واحدة، بل صار يفصّل رسالته على مقاس المراهق فى القاهرة، والطالب الجامعى فى تونس، والمهاجر فى برلين، والمهمّش فى باماكو، وهذه الدعاية الحسابية هى أخطر ما واجهه الوعى الجمعى منذ ظهور الفضائيات، لأنها لا تكتفى بالإقناع، بل تُعيد تشكيل تصوّر الفرد لذاته، ولانتمائه، ولموقعه فى العالم، ولأنها فوق ذلك لا تحتاج إلى استوديوهاتٍ ولا إلى ميزانياتٍ ضخمة، بل يكفيها هاتفٌ ذكيّ ونموذجٌ توليديّ مفتوح المصدر.

هذا التحدى على وجه الخصوص هو ما نعتبره التطرف التوليدي، وقد يُنتج جيلاً قادمًا من الدعاية المتطرفة، لا يكتفى بإعادة إنتاج الخطاب المتطرف، بل يولّده ذاتيًا، بمحتوى مخصص لكل مستخدم بناءً على بياناته النفسية والسلوكية، وبدرجات تصعيد تدريجية يصعب على الفرد وعلى ذويه ملاحظتها، وهذا هو ما يجعلنا نسارع الوقت لكى نوقف هذه القنبلة الرقمية الموقوتة قبل انفجارها بأدوات ناجعة تعالج العرض والمرض معا

المنصات المفتوحة والغرف المغلقة

مع تشديد الرقابة على المنصات الكبرى فيسبوك وإكس ويوتيوب، رصدت الوحدات المعنية بمكافحة التطرف الرقمى هجرةً واسعة للمحتوى المتطرف نحو تطبيقات المراسلة المشفّرة، وغرف الألعاب الإلكترونية، والمنتديات المغلقة، بل وامتدت هذه الهجرة إلى تعليقاتٍ صوتية داخل ألعاب الأطفال البسيطة التى يظنّ الأهلُ أنها بريئة، والمسألة لم تعد إذًا فى متابعة صفحاتٍ علنية ذات ملايين المتابعين، بل فى اختراقِ فقاعاتٍ صغيرة، مغلقة، تتحدث بلغةٍ رمزية، وتُعيد إنتاج نفسها كل بضعة أشهر بأسماء مختلفة، وهذا يتطلب مقاربةً ثلاثية: مقاربةً تشريعيةً دولية تُلزم شركات التكنولوجيا بمسؤولية واضحة عن المحتوى المشفَّر المتعلق بالتحريض على العنف، دون مساس بخصوصية المستخدم العادي، ومقاربةً مؤسسية تقوم على إنشاء وحدات رصد متخصصة فى المؤسسات الدينية والأمنية، تعمل بأدوات ذكاء اصطناعى مضاد لكشف الأنماط المشبوهة؛ ومقاربةً تربوية توجّه الأسرة والمدرسة لتحصين الأبناء من الداخل، فلا يجدون فى هذه المساحات المغلقة ما يُغريهم أصلًا.

الدور المصرى.. تجربةٌ متكاملة

فى هذا المشهد المعقّد، تحتلّ مصر —  بحكم موقعها الجغرافى والسياسى والحضارى —  موقعًا فريدًا حيث عانت الإرهاب فى سيناء أكثر من عِقْدٍ، وخاضت معركةً ميدانيةً كاملة استعادت فيها الأرض والأمن معًا، وهى فى الوقت نفسه مَقرّ أعرق مؤسسة دينية فى العالم الإسلامى -الأزهر الشريف-  وأذرعه على اختلاف تنوعها والتى تُنتج اليوم واحدةً من أشمل التجارب فى مواجهة التطرف بأدواته الحديثة.

على المستوى الأمنى والاستراتيجي، لم تكتفِ الدولة المصرية بالمعالجة الميدانية للجيوب الإرهابية، بل أطلقت رؤيةً أشمل تُوصف بالمقاربة المصرية الشاملة، وتجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: مسارٌ أمنيّ يُلاحق العناصر ويُفكّك الشبكات، ومسارٌ تنموى يستهدف بؤرَ التهميش والفقر التى يستثمرها الإرهاب، ومسارٌ فكرى يبنى الوعى الوقائي، وقد قدّمت مصرُ هذه المقاربة بوصفها نموذجًا للدول الإفريقية الشقيقة، ولا سيما فى منطقة الساحل، عبر برامج التدريب والتعاون الأمنى والاستخباراتى التى تُشرف عليها.

على المستوى الدينى والفكري، أنشأت دار الإفتاء المصرية منذ عام 2014 مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة، الذى بات مرجعًا عالميًا فى رصد ظاهرة التشدد ومقولاته الرقمية، ويُصدر تقاريره الدورية بلغات متعددة، وأتبعته بـالمرصد العالمى للفتوى ليخدم مسلمى العالم فى متابعة الفتاوى الرشيدة الصادرة عن المؤسسات المعتبرة والتنبيه على المضلّة منها، أما الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم التى تضم فى عضويتها أكثر من مئة مؤسسة إفتاء عالمية  فقد رفعت مصرَ إلى موقع صانعة الأجندة العالمية للفتوي، تعقد مؤتمراتها السنوية فى القاهرة، وتُصدر توصياتها ومواثيقها المرجعية.

على مستوى تجديد الخطاب الديني، دأب الأزهرُ الشريف والمؤسسات الرسمية على تطوير مناهج التعليم الديني، وتخريج أفواج جديدة من الأئمة والمفتين المؤهّلين للتعامل مع الفضاء الرقمي، وإنتاج محتوى رصينٍ يخاطب الشباب بلغتهم، ولعلّ من أبرز مبادرات دار الإفتاء فى هذا الإطار مبادرة المفتى الرقمى المتخصص، التى تجمع بين علوم الشريعة، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والدراسات المستقبلية، والإرشاد الأسري، لتخريج جيلٍ من المفتين قادر على مخاطبة الأسرة فى بيئتها الرقمية.

وعلى مستوى المؤتمر الدولى الحادى عشر لدور وهيئات الإفتاء الذى انعقد بعنوان: «التحديات الأسرية فى ظل التحولات الكبري.. مقاربةٌ إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، تُطرح جملةٌ من المخرجات المؤسسية القابلة للتطبيق، منها: أطلس التحديات الأسرية المعاصرة، ووحدة رصد الظواهر الرقمية، ومنصة مستقبل الأسرة، وموجزات السياسات الأسرية، ومؤشرات قياس أثر الفتوى على تماسك الأسرة وهذه المخرجات — بمجموعها — تُمثّل انتقالًا نوعيًا للفتوى المصرية من مجال الوعظ إلى مجال العلم، ومن رد الفعل إلى صناعة الفعل.

وعلى المستوى الدبلوماسي، تحرّكت مصرُ على أكثر من جبهة لدعم استقرار جوارها الإفريقي، بالمشاركة فى مبادرات الاتحاد الإفريقى لمكافحة الإرهاب فى الساحل، ووقّعت اتفاقيات تعاون أمنيّ وتدريبيّ مع دول القرن الإفريقي، وقدّمت منحًا دراسية لآلاف الطلاب من إفريقيا فى الأزهر الشريف بوصف ذلك استثمارًا فى الدبلوماسية الروحيةطويلة الأمد، فمصرُ لا تصدّر السلاح، بل تنمى الوعي، ولا تُخوض حروبَ الآخرين، بل تُقدّم لهم أدوات تحصينِ مجتمعاتهم.

إن مصرَ —  بوصفها بوابة إفريقيا الشمالية، وبوصف الأزهر الشريف المرجعيةَ الروحية لملايين المسلمين فى الغرب الإفريقى — تجد نفسها فى موقع المسؤولية التاريخية، ولهذا كثّف الأزهر بعثاته التعليمية والدعوية فى مالى والنيجر والسنغال ونيجيريا وتشاد، وأنشأ فروعًا للتعليم الأزهرى فى عدد من العواصم الإفريقية، ووسّع أروقة الوافدين لاستقبال الطلاب الأفارقة على نفقة الدولة المصرية، كما أطلق مركز الأزهر لتخريج الأئمة» برامج تأهيلٍ خاصة لأئمة المساجد الأفارقة، تُدرّبهم على مقاومة الخطاب الداعشى والحوثى والفكر التكفيرى بأدوات شرعية مؤصّلة، لا بلغة الشعارات ولا بأساليب الوعظ المستهلَك.

ولا تُقلّ عن ذلك أهميةً مؤسسةُ الأسرة المصرية نفسُها بوصفها خط الدفاع الأول، فقد أدركت الدولة المصرية مبكرًا أن التحصين الحقيقى لا يبدأ فى مبانى الأمن ولا فى قاعات المؤتمرات، بل فى المنزل والمدرسة، من هنا جاءت شراكة دار الإفتاء مع المجلس القومى للأسرة، والمجلس القومى للمرأة، والمجلس القومى للطفولة والأمومة، ومع وزارة التربية والتعليم، لتصميم برامج توعية أسرية تخاطب الآباء والأمهات بلغتهم حول علامات التطرف الرقمى المبكرة، وكيفية التعامل مع طفلٍ ينسحب فجأة نحو محتوى مشبوه، ومتى تدقّ نواقيسُ الخطر. هذه البرامج لا تُقدَّم بلغةٍ وعظية جافة، بل بأدوات ميدانية عملية، ومن خلال حملاتٍ تلفزيونية ورقمية مصمَّمة على مقاس الأسرة المصرية بتنوّعها الطبقى والجغرافي.

كما تنهض المرأةُ المصرية بدورٍ محورى فى هذه المنظومة؛ فبفضل توسّع تعيين الواعظات وإناث المفتين والباحثات الشرعيات فى دار الإفتاء والأزهر خلال السنوات الأخيرة، باتت المرأة المتخصصة تُخاطب الأمهات والفتيات بلغةٍ تفهمها، وتَنفُذ إلى مساحاتٍ لا يستطيع الرجل الوصول إليها، وقد أثبتت هذه التجربة نجاعتها فى التصدى لظاهرة تجنيد الفتيات الذى كان التنظيم يعتمد عليه اعتمادًا كبيرًا فى ذروة توسّعه.

التحذير الاستشرافى

ثلاثة تحذيراتٍ استشرافية تتعلق بتطوّرٍ قادم فى ظاهرة التطرف، لم تستعد له المؤسساتُ والمجتمعات بعد على النحو الكافى:

أولا: تطبيقاتٌ تحاكى الصداقة والحوار العاطفى مع المراهقين، وتتكيّف تدريجيًا مع مزاجهم واهتماماتهم، لتصبح مصدرَ ثقتهم الأول. تخيّل شابًا يتحدث كل ليلة إلى «رفيقٍ رقمي» يعرف كل تفاصيل حياته، ثم يقوده هذا الرفيق بلطفٍ ودقة إلى تبنّى أفكار عنيفة أو عدمية أو منحرفة، دون أن يظهر ذلك على شاشة أحد. هذا سيناريو نتحدث عنه اليوم كتحذير، لكنه سيكون واقعًا يوميًا خلال سنواتٍ قليلة إن لم نستعد له.

ثانيا : المفتى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي، الذى يُنافس الفتوى المؤسسية الرشيدة، ويُقدّم للمستفتى البسيط إجابةً فورية على هاتفه، دون سندٍ علمى ولا مسؤولية شرعية، مما يُنتج تدريجيًا فوضى فتوى غير مسبوقة فى تاريخ الأمة.

ثالثا: التطرف الصامت الذى ينضج داخل غرف النوم، عبر خوادم مشفّرة، ولا يظهر إلا يوم الحدث. فكم من الحوادث الفردية فى السنوات الأخيرة – من هجمات الذئاب المنفردة فى الغرب إلى تفجيراتٍ فردية فى بعض بلادنا – كانت ثمرةَ أشهرٍ من الاستقطاب الصامت الذى لم ينتبه إليه الأهلُ ولا الأصدقاء.

مقاربة الثلاثية المتكاملة

أمام هذا التحوّل المضاعف، تسقط المقارباتُ التقليدية سقوطًا مدوّيًا. فلا الحلُّ الأمنى وحده كافٍ، ولا الخطاب الوعظى وحده مُجدٍ، ولا الحملات الإعلامية الموسمية قادرةٌ على منازلة ماكيناتٍ حسابية تعمل أربعًا وعشرين ساعةً فى اليوم، بلا كللٍ ولا انقطاع.

المطلوب اليوم مشروعٌ حضارى متكامل، ونُسميه الثلاثية المتكاملة:

المؤسسة الفكرية والدينية تصنع المضمون: تُنتج الفتوى الرشيدة، وتُفكّك الشبهات، وتُؤصّل المفاهيم، وتُخرّج الكوادر القادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها.

المؤسسة الأمنية تصنع البيئة الآمنة: ترصد الشبكات، وتحمى المجال العام من التوظيف العنيف للأفكار، وتوفّر للمؤسسة الفكرية والإعلامية غطاءً يسمح لها بالعمل بأريحية.

المؤسسة الإعلامية تصنع الوصول: تنقل المضمون الرشيد إلى الجمهور بأدوات العصر، وتصنع محتوى منافسًا للمحتوى المتطرف على أرضيته الرقمية ذاتها.

الخللُ التاريخى فى منطقتنا أن هذه الدوائر عملت متوازية، وأحيانًا متنافرة. ما نطرحه اليوم – فى هذا المنبر الإعلامى المحترم هو نقلةٌ نوعية: بناء «طاولة تنسيق دائمة» بين علماء الدين والمفتين وعلماء وزارة الاوقاف والإعلاميين وصنّاع المحتوى الرقمي، تُنتج حملاتٍ مشتركة، وتتقاسم الرصدَ والاستجابة، وتقيس أثرها بمؤشراتٍ علمية دقيقة.

ولعلّ من أوجب واجباتنا فى هذه المرحلة أن نُدرك أن التطرف – بأيّ لباسٍ ارتدى – إنما يزدهر فى المسافة الفارغة بين السؤال المشروع والإجابة الرشيدة. فحين يعجز العالِمُ المسلم عن إجابةِ شابٍّ يبحث عن معني، يهرع الشاب إلى إجابةٍ مصنوعةٍ بالخوارزمية. وحين يغيب الخطابُ الدينى المتوازن عن الفضاء الرقمي، يملأ الفراغَ خطابٌ مشوّهٌ لا يعرف من الدين إلا شعارَه. ولا يقلّ عن ذلك خطرًا أن نُهمل الجانبَ النفسى والاجتماعى فى معالجاتنا؛ فالمتطرّف قبل أن يكون مأزومًا فكريًا، هو فى الغالب مأزومٌ إنسانيًا: يعانى تهميشًا، أو ظلمًا، أو فقدانًا للمعني. فإذا لم نُداوِ الجذر، فلن تنفعنا مبيداتُ الأعراض.

إن معركةَ العصر ليست فى تعقّب خلايا الإرهاب فى الجبال والوديان فحسب، بل فى تحصين وعى المسلم البسيط الذى يفتح هاتفه صباحًا فيجد بين يديه «مفتيًا» اصطناعيًا لا هويّة له، وخطابًا مصنوعًا خصيصًا له، ومحتوى يتسلّل إلى وجدانه دون استئذان.

وإنّ إحدى أشرف مهام مؤسساتنا العلمية اليوم أن تبقى شاهدةً على أن الإسلام أوسعُ من أن تختطفه جماعة، وأعمقُ من أن تختصره خوارزمية، وأكرمُ من أن يُوظَّف فى معركةٍ ليست معركته.

ومصرُ – بحضارتها الممتدة، ومؤسساتها الراسخة، وشعبها الواعى – ستبقى فى قلب هذه المواجهة؛ لا بوصفها دولةً تدافع عن أمنها فحسب، بل بوصفها أمّةً تدافع عن معنى الإسلام الصحيح فى وجه من يُريدون اختطافه من الخارج، ومن يُريدون تشويهه من الداخل، على حدٍّ سواء.

ولعلّ ما يمنحنا ثقةً فى المستقبل – رغم قسوة التحديات – أن التجربة المصرية فى مواجهة التطرف لم تقف يومًا عند حدّ الرد على حريق، بل كانت دائمًا تجربةً استباقيةً تُخاطب المستقبل قبل أن يدقّ أبوابها. فحين اجتاحتنا موجةُ الفتنة الطائفية فى تسعينيات القرن الماضي، خرج من مدرسة الأزهر جيلٌ من العلماء أدار المعركة بلغة الوسطية المؤصّلة، وحين دقّت طبول داعش على حدود المنطقة فى العقد الماضي، وجدت مصر فى مؤسساتها الراسخة المتراسَ الأول للدفاع. واليوم، أمام تحدّى التطرف التوليدى والدعاية الخوارزمية، تواصل مصرُ ما بدأته: ترفع راية الوسطية، وتدخل ميدان التقنية مدجّجةً بأدوات العلم الشرعي، دون أن تفقد روحَ رسالتها.

إن خريطة التطرف تتغيّر، وأدواته تتجدد، وجغرافيته تنتقل، لكن جوهره يبقى واحدًا: محاولةٌ لاستغلال فراغ الوعي، والتلاعب بأزمات المعني، وتحويل الدين من رسالة رحمة إلى أداة إقصاء. وجوهرُ الرد أيضًا يبقى واحدًا: أن نملأ الفراغ، وأن نمنح المعني، وأن نُعيد للإسلام وجهه الذى أراده الله له: وجهُ الرحمة التى وسعت كلّ شيء. وتلك –  فى تقديرى – رسالة مصرَ إلى العالم اليوم.

متعلق مقالات

الزمالك ينتظر رد «الجبلاية» فى شكوى التحكيم
ملفات

 رسائل السيسى وتوقيتها من زاوية الأمن القومى

13 أكتوبر، 2026
الزمالك ينتظر رد «الجبلاية» فى شكوى التحكيم
ملفات

هل تنجح المؤسسات المالية فى ترميم الاقتصاد العالمى

13 أكتوبر، 2026
شرط الـ5000 متابع.. ثغرة تشريعية في مواجهة جرائم «السوشيال ميديا»
ملفات

«الجمهورية الأسبوعي» يواصل كشف «ثغرات تشريعية في مواجهة جرائم السوشيال ميديا» (9)

12 أكتوبر، 2026
المقالة التالية
جميل جورجي

عندما ارتجت الأرض

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • تعليم الشرقية يكرم النابغة «يوسف عبد الكريم» لتميزه العلمي وشغفه بالبحث والابتكار

    تعليم الشرقية يكرم النابغة «يوسف عبد الكريم» لتميزه العلمي وشغفه بالبحث والابتكار

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • في مشهد هز مشاعر المصلين.. إمام مسجد يوزع أعلام مصر على الأطفال ويكرم أبطال النصر

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • دراسة بـ«تجارة طنطا»: القيادة الجديرة بالثقة تحجم السلوكيات المضادة للإنتاجية بـ«أبو قير للأسمدة»

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • وزير التعليم العالي يبحث مع مؤسسة FNRS البلجيكية تمويل المشروعات البحثية المشتركة

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

تعاون سياحي استراتيجي بين مصر وأوزبكستان لتعزيز السياحة الدينية و«العمرة بلس»

تعاون سياحي استراتيجي بين مصر وأوزبكستان لتعزيز السياحة الدينية و«العمرة بلس»

بقلم محمد ‬طلعت
13 أكتوبر، 2026

الزمالك ينتظر رد «الجبلاية» فى شكوى التحكيم

الشعب هو البطل

بقلم عبير فتحى
13 أكتوبر، 2026

الزمالك ينتظر رد «الجبلاية» فى شكوى التحكيم

10 مليارات جنيه لشراء وتسويق أصول مملوكة لـ «المجتمعات العمرانية»

بقلم جيهان حسن
13 أكتوبر، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا
  • من نحن

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©