تردد مؤخرا فى سياق الحديث عن الحروب والسيطرة والنفوذ مصطلح «الجغرافيا الرقمية» وهو مصطلح لا يمكن بحال من الأحوال فصله عن الحديث المرتبط بثورة الذكاء الاصطناعى فى ذات السياق, لكن الفارق أن الذكاء الاصطناعى مصطلح حديث من جذوره بينما «الجغرافيا الرقمية» فنصف المصطلح كلمة «جغرافيا» ترتبط على مر التاريخ بالأرض والحدود واليابسة والمياه وهو المفهوم التقليدى الراسخ لكلمة جغرافيا وهو فى نفس الوقت المرتبط مباشرة بالأمن القومى فالحدود الجغرافية السياسية التقليدية المتعارف عليها تعد أم المواضيع فى العلاقات الدولية، بل دشن علم يدرس فى كليات العلوم السياسية يعرف بـ»الجغرافيا السياسية» تتناول الحدود سواء كانت حدود برية أو بحرية، أو حتى القواعد العسكرية، والسيطرة التقليدية على مصادر الطاقة، وكلها أمور لصيقة بالأمن القومى للدولة.
ولأن طبيعة الأشياء التطور والعلوم تتقدم وكل شيء بات يحمل فى داخله أكثر من مفهوم ومدلول واستخدام بما فى ذلك الجغرافيا نفسها ظهر مفهوم «الجغرافيا الرقمية» ليشير إلى أن الجغرافيا بمفهومها التقليدى باتت مرتبطة أيضا بالبنية التحتية الرقمية العابرة للحدود، مثل الكابلات البحرية، مراكز وقواعد البيانات، شبكات الذكاء الاصطناعي، الأقمار الصناعية، منصات الحوسبة السحابية وهذا معناه أن الخرائط الجديدة للقوة العالمية لم تعد تُرسم فقط عبر الحدود التقليدية «الجبال والمحيطات والبحار والأنهار»، بل عبر ممرات تدفق البيانات، ومسارات الكابلات البحرية، ومواقع الخوادم العالمية العملاقة، وهذا يعنى أن الممرات البحرية الإستراتيجية كالمضائق أصبحت ورقة ضغط فى الحروب والصراعات وهذا ما كشفت عنه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ، فالكابلات البحرية فى مضيق هرمز شكلت نقطة ضعف للاقتصاد الرقمى فى المنطقة، ما أثار مخاوف إقليمية ودولية بشأن احتمال تعرض هذه البنية التحتية لهجمات من قبل إيران حيث يمر فى قاع المضيق عدد من كابلات الألياف الضوئية والتى تربط دولًا من الهند وجنوب شرق آسيا بأوروبا عبر دول الخليج العربى ومصر وتردد الحديث بالفعل عن أنه فى خضم هذا الصراع هناك تهديدات حادة للبنية التحتية التكنولوجية، مع احتمالية تعرّض مراكز البيانات فى البحرين والإمارات للضرر فأهمية مضيق هرمز لا تقتصر على كونه يمر من خلاله نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية، لكنه أصبح شريانًا رئيسيًا لشبكة الإنترنت العالمية وللكابلات البحرية التى تحمل قواعد البيانات خاصة بين آسيا وأوروبا ودول الخليج العربى.
مما لا شك فيه أن حسابات القوة الشاملة للدولة ومنذ عقود لم تعد تقتصر على القوة الخشنة وامتلاك السلاح وحاملات الطائرات أو الترسانة النووية أو الصواريخ الباليستية والمسيرات، أو حتى عديد الجيوش وإنما أضيفت قدرات وابتكرت واستحدثت قدرات جديدة فبجانب القوة الناعمة والثقافة والتاريخ والحضارة ظهرت القوة الذكية والاتصالات العسكرية والذكاء الاصطناعى وغيرها فى الإطار التكنولوجى الحديث والبنية التحتية الرقمية التى بالتحكم فيها تتأثر الاقتصادات والأنظمة المالية الحالية وبالتالى فإن استهداف البنية التحتية الرقمية أو حتى مجرد التلويح بإمكانية تعطيلها يخلق حالة من الردع الرقمى والضغط الاقتصادى العالمى وهذا يأخذنا إلى مصطلحين حديثين نسبيا أيضا و هما «الأمن القومى الرقمي» المرتبط بالبيانات و»السيادة الرقمية للدولة» وتعنى القدرة على حماية البنية التحتية الرقمية المملوكة للدولة شأنها شأن حماية الجغرافيا الطبيعية كالحدود والمياه واليابسة، فمما لا شك فيه أيضا أن حماية وتأمين الدولة لبياناتها واتصالاتها وشبكاتها الحيوية من التهديدات الجيوسياسية، بات عمل من أعمال السيادة لم تعد الأزمة تنحصر فقط فى شكلها التقليدى كارتفاع أسعار النفط، بل فى الاضطرابات الرقمية الواسعة التى قد تشمل بطء شبكات الإنترنت العالمي، وتعطيل الأسواق المالية والاقتصادية، وتأثر أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإرباك الاتصالات العسكرية والاستخباراتية.
من هنا فإن حسابات القوة اليوم أصبحت تميل تدريجيًا لصالح الدول التى تسيطر أو تؤثرعلى البنية التحتية الرقمية العالمية فكلما زاد الاعتماد على الإنترنت والذكاء الاصطناعى والبنية السحابية، زادت حساسية الاقتصاد العالمى تجاه أى اضطراب فى البنية التحتية الرقمية, وهذا أيضا يأخذنا إلى مصطلحات جديدة فى ذات السياق مثل «الابتزاز الجيوسياسي» و»حروب الاستنزاف المعلوماتي» وكلها تصنف تحت «الحروب الحديثة والمرجح دائما تحديثها من حيث الآلية والتأثير وتتم عبر التكنولوجيا، ولا شيء غيرها.
الخلاصة أن العالم بأكمله دخل بالفعل مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة سيطرة «الجغرافيا الرقمية»، حيث أصبحت السيطرة على تدفقات البيانات لا تقل أهمية عن السيطرة على تدفقات النفط والطاقة.









