منذ ثلاثينيات القرن الماضى وحتى الآن سيظل دورها التنويرى قائماً مهما كانت التغيرات التى طرأت فى عصر السماوات المفتوحة وزمن الانترنت والتواصل الاجتماعى وغيرها من رسائل الاتصال الحديثة.. لأنها محفورة فى ذاكرة الوعى الجمعى خاصة فى الاجيال التى عاصرت افتتاح الاذاعة منذ 92 عاماً أو حتى التى عاصرت افتتاح الشاشة الفضية قبل 66 عاماً. والتى جادت بعدها وعاصرها جيلى ومن بعدي.. وخبا ضؤها بعض الشيء فى الاجيال الشابة لانها شبت فى زمن التكنولوجيا الحديثة وعالم الذكاء الاصطناعي.. لذا كان ما نحن بصدده فى هذا المقال فما هو هذا المشروع؟
إنه احياء تراث ماسبيرو وعبارة عن رقمنة تراث الاذاعة والتليفزيون الذى اقل ما يوصف به وهو مشروع القرن الثقافى والاعلامى لينضم إلى قائمة المشروعات القومية التى حققتها الجمهورية الجيدة ومازالت لتحقيق رؤية مصر 2030، تحت شعار 100 عام من الارشيف الوطنى بهدف حماية تراثنا المسموع والمرئى لاطلاع الاجيال الجديدة عليه ليعرف ماذا كان يتم تقديمه من اعمال اذاعية وتليفزيونية غاية فى الرواعة والابداع من أفواه عمالقة بالاذاعة والتليفزيون امثال فاروق شوشة ومصطفى محمود وجوهر وفراج وآمال فهمى وأحمد سعيد وأبلة فضيلة وبابا شارو وفهمى عمر وصفية المهندس وغيرهم وبرامجهم التى مازالت محفورة فى ذاكرة اجيال الخمسينيات والستينيات وحتى عقدين ماضيين من الزمان امثال العلم والايمان وحديث المدينة للاذاعى مفيد فوزى والكاميرا الخفية لإبراهيم نصر وكلام من ذهب لطارق علام وعالم البحار وتاكسى السهرة لاحلام شلبى واخترنا لك لفريال صالح وهذا المساء لسمير صبرى ونادى السينما لدرية شرف الدين وغيرها مما لا يحضرنى ذكره لضعف ذاكرتى المتعبة بفعل الزمان.
صراحة اهتمام الرئيس السيسى بتطوير الاعلام ورعايته لهذا المشروع الرقمى يعكس الاهتمام بالذاكرة السمعية والبصرية باعتبارها اهم احد روافد القوة الناعمة فى الوقت الذى تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمى عالمياً، لذا كان اطلاق هذا المشروع الاستراتيجى كرصيد حضارى وثقافى بعمل رصد وتوثيق دقيق ليحفظ ابداع الاجيال السابقة ونقله إلى الاجيال المقبلة بصورة عصرية منذ انشاء الاذاعة عام 1934 والتليفزيون عام 1960، والمشروع يستهدف تحويل حوالى مليون شريط صوتى ومرئى باجمالى 800 الف ساعة تقريباً قابعة فى ارشيف ماسبيرو وبعضها تعرض للتلف فى اجزاء منه بفعل الزمن وعوامل الرطوبة، وهذه ارقام مهولة لا توجد فى اى ارشيف بالدول العربية والشرق الاوسط بالذات بسبب قدم الاذاعة والتليفزيون التى سبقت الاذاعات الأخرى وايضا للثراء الثقافى والفنى القائم على المبدعين والمفكرين والفنانين وشيوخ التلاوة والروائيين وغيرهم وهم كثر ولايضاهيهم احد خارج مصر لانها ولادة ورائدة وسباقة فى كل جوانب الابداع.
الحقيقة رقمنة التراث فى ماسبيرو خطوة رائعة للحفاظ على هذا الميراث من عوادى الزمن بجودة فائقة ليظل متواجدا عبر التاريخ مع الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعى لتسهيل استرجاعه مع انشاء قواعد بيانات الكترونية متكاملة، ومثل هذا العمل الجبار يحتاج إلى جهد ووقت ودقة فى كيفية التعامل بحرص شديد مع شرائط قديمة عفا عليها الزمن، وتحتاج إلى علاج للتالف منها واعادة التلوين للباهت منها وتحسين جودة الصوت وغيرها من التجهيزات الفنية الدقيقة التى تعد بمثابة جراحة دقيقة لجد عجوز عليل كان فى غرفة الانعاش إلى ان جاءت رؤية القيادة السياسية للانقاذ.
اتمنى بهذه المناسبة اهتمام القائمين فى ماسبيرو بإعادة اذاعة البرامج القديمة مثل العلم والايمان للدكتور مصطفى محمود لفائدتها الكبيرة فى التثقيف العلمى الممتزج بالدين ونور على نور لاحمد فراج وعالم البحار وقرأت لك وتحت العشرين وغيرها من البرامج التى مازلت اتذكرها، والاكثار من عرض الافلام القديمة خاصة الابيض والاسود التى مازلت وغيرى يعشقها لما فيها من بساطة ومعرفة بفكر وثقافة زمانهم ولما فيها من مشاهد لشوارع واحياء القاهرة الجميلة والمستوى الراقى الذى كان يعيش فيه المصريون فى الزمن الجميل، والتى للاسف لم يعرف عنها الجيل الجديد شيئاً الا من النذر اليسير، بدليل ان اولادى لا يعرفون ابطالها الا سماعاً مثل اسماعيل يس وعبدالفتاح القصرى وانور وجدى وليلى مراد ويوسف وهبى وزينات صدقى وشرفنتح ونجيب الريحانى وغيرهم، أتمنى اعادة عرضهم ليس تلك الافلام بل الاغنيات القديمة سواء الاذاعية او التليفزيونية للعمالقة من المطربين القدامى امثال عبدالعزيز السيد وعبده الحامولى وسيد درويش وغيرهم.. وفى النهاية كل الشكر للمبادرة الرئاسية الحريصة على رصد وتوثيق الارشيف الوطنى فى ماسبيرو لحمايته من التلف لانه لا يوزن الا بالذهب لما فيه من اعمال رائعة تحسدنا عليه العديد من الدول اجيالنا الحالية فى حاجة اليها سواء فى مصر او غيرها.. ونتمنى سرعة الانجاز والخروج إلى النور كنافذة تطل منها على الزمن الجميل وكنوزه.









