دائمًا ما نجد الأغبياء واثقين من أنفسهم، وعندما يقرأ الغبى كثيرًا تزداد المشكلة تعقيدًا؛ فهو لا يقرأ من أجل المعرفة والفهم، وإنما من أجل الاستعراض وإيهام الآخرين بأنه من زمرة المثقفين. وهنا يختلط الغباء الطبيعى بالغباء المصطنع، منتجًا حالة من اللاوعي.
وينتشر الأغبياء بسرعة فى ربوع المجتمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التى تهدم أركان الحقيقة وتصنع حالة غير مسبوقة من الفوضى العارمة. فالغبى لا يقرأ جملة كاملة، ولا يبذل جهدًا فى تمرير ما يقرؤه على عقله أولاً، بل يكتفى بدور الناقل الأعمى لكل ما يرضى غروره ونرجسيته.
وجميعنا يقابل هذه الصنوف من البشر فى مختلف المناسبات ومعظم الأماكن، لكننا لا نواجه أحدًا منهم بحقيقة غبائه، أو بخطورته على حالتنا النفسية وصحتنا العقلية، فضلاً عن خطورته على المجتمع.
وعندما يتكاثر الأغبياء، ويتشابكون مع قضايا الأمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هنا تحدث الكارثة الحقيقية. فعندما نجد أمامنا قطيعًا ضخمًا من الأغبياء يتحرك فى وقت واحد نحو هدف لا يعلم حقيقته، ويسوقه أحد الثعالب الماكرة، مستغلاً ضعف استيعابهم، وغباءهم المتضخم، وغرورهم المتجذر فى فراغهم المعرفي، وضحالة رؤيتهم، فإننا نكون أمام خطر حقيقى على المجتمع والدولة.
فهؤلاء يُصنع بهم الرأى العام، وتُفتعل بهم الأزمات، ويُستخدمون وقودًا للفوضي، بما يمثل عبئًا على السلم المجتمعي. فالإخوان وأعداء الدولة وأنصار اللادولة يصنعون تغريدات ومنشورات مزورة، ثم ينشرونها داخل مجموعاتهم ولجانهم الإلكترونية، ليلتقطها هؤلاء الأغبياء ويعيدوا نشرها على نطاق واسع.
فلن تجد إخوانيًا يكتب تغريدة يهاجم فيها الدولة أو أحد رموزها بصورة مباشرة؛ فهم يتجنبون الوقوع فى هذا الخطأ، لكنهم يصنعون الرسالة ويعتمدون على الأغبياء فى نشرها وتوزيعها. وكم من منشورات مزيفة حملت عبارات وأفكارًا وتصريحات مختلقة لا أساس لها من الصحة، ثم وجدتها منشورة على صفحات محلية تحمل أسماء لا تثير الريبة من قريب أو بعيد.
إن هذا الانتشار الكثيف للأكاذيب لا يقوم به إلا الأغبياء؛ لذلك أحذر من التهاون فى التعامل مع هذه الفئات. إننا مقصرون فى تقدير مصادر المخاطر والأزمات؛ نهتم بالأذكياء ونهمل الأغبياء، رغم أن الآثار التخريبية للغباء قد تكون، فى كثير من الأحيان، أشد خطرًا من أفعال العملاء.
لا أخشى من غضب الحكماء، ولا من تقلب مزاج العقلاء؛ فهؤلاء جميعًا لديهم خطوط فاصلة بين الأشياء، كبيرها وصغيرها، وستكون قراراتهم وأحكامهم، فى الغالب، غير مدمرة. وبقليل من التركيز يمكن توقع سلوكيات العقلاء؛ لأن العاقل يستطيع توقع سلوك العاقل، فالمعادلات واحدة.
أما الأغبياء والحمقي، فيتصرفون بلا عقل، ولا تفكير، ولا خطوط حمراء، ولا يمكن توقع سلوكياتهم؛ لأنهم لا يفكرون بمنطق أو بعقل. والمفاجأة أنهم هم أنفسهم لا يعرفون ما الذى سيفعلونه بعد دقيقة واحدة.
يقول الكاتب جيمس ويلز فى كتابه «فهم الغباء» إن الغبى غير قادر على التكيف، ويتصرف بطريقة تمنعه من فهم ما يدور حوله من حقائق جديدة ومتغيرات متلاحقة. فالغباء، إذن، سلوك يهزم صاحبه، فلا يحقق له أى فائدة من تصرفاته الغبية.
لكن الحقيقة أننا نتحدث كثيرًا عن الغباء وأصحابه، دون أن نتوقف أمام السؤال الأهم: كيف نتعامل مع المواقف الغبية التى يصنعها هؤلاء؟
ليست هناك، حتى الآن، مدونة سلوك واضحة ومتفق عليها للتعامل مع الأغبياء، لكن علينا ألا ننسى أن بعض الأغبياء قد يصنعون التاريخ، أو على الأقل يغيرون مساره؛ ولذلك وجب علينا أن نبحث وندقق فى كيفية فهم الغباء وآلياته، فنحن فى حاجة ماسة إلى «كود للغباء» كما لدينا كودات لإدارة الأزمات.
أما أنا، فقد حاولت أن أضع لنفسى كودًا خاصًا فى التعامل مع بعض الحمقى والموتورين والمغرورين:
لا تجادل الأحمق، ولا تغامر بتهدئة الغاضب، ولا تراهن على حكمة كل عاقل، ولا تختبر صبر المحب.









