تُقاسُ رصانةُ التشريعات فى المدارس القانونية العريقة – وعلى رأسها المدرسة الفرانكوفونية التى استقى منها المشرّع المصرى أصوله – بمدى قدرة القاعدة القانونية على الصمود عند إنزالها إلى أرض الواقع وممارستها فى أروقة المحاكم.. فالقوانين تُسَنّ فى أروقة البرلمانات بنوايا طيّبة ومقاصد نبيلة، لكن تعقيدات النفس البشرية وتوازنات المصالح الفردية سرعان ما تكشف عن ثغرات إجرائية تُفرغ النص من فلسفته الأخلاقية، وتُحيله إلى أداة تُستغل لغير ما شُرعت له.
وفى قلب هذا السجال التشريعي، يقف قانون الأحوال الشخصية المصرى «وتحديداً المادة 20من القانون رقم 1 لسنة 2000 الخاصة بـ«الخلع» بعد أكثر من ربع قرن على تطبيقه، متصدراً مشهداً أسرياً مضطرباً، والمشكلة تتعدد من الصراع بين بعض الاتجاهات الفقهية والقانونية والآثار الاجتماعية على الأسرة وفى المقدمة الأبناء، الضحايا الأكثر ألما!!
وحين نرتكز على الأرقام يتكشف للجميع عمق المأساة، تكشف الأرقام والوقائع عن تحوّل هذه المادة من «مسارٍ استثنائى لإنقاذ السجينات فى علاقات زوجية مؤذية» إلى «مِقصلة حادة تُطيح بالميثاق الغليظ، وتَعْصِفُ بـ الطفل وتهدد بنيان المجتمع المصرى».
> فى البداية تصرخ الأرقام.. وتصدمنا بإلتهام الخلع 84 ٪ من الطلاق القضائى، فلم تعد الأزمة مجرد انطباعات صحفية أو مخاوف فكرية، بل أصبحت حقائق إحصائية دامغة.. فوفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزى للإحصاء بنهاية عام 2024 تشكل أحكام الخلع النهائية 83.87 ٪ من إجمالى الأحكام القضائية النهائية للطلاق الصادرة عن محاكم الأسرة المصرية.
> وهنا يكون السؤال: هل جاء الخلع ليعالج خللا أم ليهدم كيان الأسرة المصرية؟
الواقع أن هذه النسبة المرعبة تكشف إن الخلع لم يعد خياراً أخيراً للتخلص من الضرر العسير، بل تحوّل عملياً إلى «المسار الإجرائى الإجبارى والسائد»، لخلّوه من كاهل الإثبات وسرعة الفصل فيه مقارنة بـ«دعاوى الطلاق للضرر» التى تمتد لسنوات وتغرق فى درجات الاستئناف.
لكن أخطر ما يواجه هذا القانون بعد تكشف آثاره بعد 25 عاما من التطبيق، هو ارتفاع نبرة المعارضة له، بداية من فلسفة التكييف الفقهى والدينى، أو بالأصح بين المفهوم النبوى والواقع القضائى.
والمرجع الأساسى لشرعية الخلع فى السنة النبوية هو واقعة امرأة ثابت بن قيس حين أتت النبى عليه الصلاة والسلام وقالت: «يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه فى خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر فى الإسلام»، فقال لها النبى: «أتردين عليه حديقته؟»، قالت: نعم، فقال النبى لثابت: «اقبل الحديقة، وطلقها تطليقاً».
وهنا يتجلى المأخذ الفقهى فى «تطليق القاضى جبراً»، بتصدير الإشكالية الأولى وهى سلب سلطة التطليق من الزوج، حيث يُشير هذا الطرح الفقهى إلى أن النبى عليه الصلاة والسلام لم يباشر التطليق بنفسه، رغم أنه المشرع والقاضى والرسول، بل أمر الزوج بإيقاعه بعد استرداد المهر «اقبل الحديقة وطلقها». ومن ثمّ، يرى هذا الفريق أن سلب حق الطلاق من الزوج وإعطاء القاضى سلطة إيقاع الخلع «جبراً» دون رضائه أو تراضيه يتصادم مع الأصل الشرعى الذى يجعل التفريق ببيّنة أو بموافقة وبيد الزوج شريطة استرداد الحقوق كاملة.









