لا توجد فى القرن الحالى دولة واحدة على مستوى العالم كله، كبيرة أو متوسطة أو صغيرة، عصية على الاختراق الخارجى لها، برًا أو بحرًا أو جوًا.. بشريًا أو سبيرانيًا.
هذا قرن سقوط نظرية الأمن المطلق، ونهاية عصر «الدول المعقمة» التى لا تجرؤ قوة على اختراقها، أو حتى الاقتراب العدائى من مجالها.
ولقد كان هذا القرن صريحًا وحادًا بل وقاسيًا فى إعلان هذا السقوط، واختيار توقيته ومكانه، لينهى خمسة وخمسين عامًا تمتعت فيها القوى الكبرى فى العالم– على الأقل الدول الخمس الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن الدولى: أمريكا– روسيا– الصين– بريطانيا وفرنسا بالأمن المطلق داخل حدودها، حتى وهى تحارب خارجها وذلك بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945.
حاربت أمريكا سنوات عديدة فى فيتنام وحاربت روسيا فى أفغانستان وحاربت فرنسا فى الجزائر واستقرت جيوش بريطانيا فى أكثر من نصف جنوب الكرة الأرضية احتلالاً دون أن يمسها أحد بسوء داخل حدودها.
وجاء القرن الحادى والعشرين ومن عامه الأول 2001 لينزع مظلة الأمن المطلق ويسقط نظرية الدولة المعقمة ضد الاختراق.. ويختار أمريكا القوة العظمى الأولى فى العالم، لضربة البداية بأحداث 11 سبتمبر من ذلك العام.
ثلاث طائرات مدنية تخترق الأجواء الأمريكية من ناحية الشرق لتدمر مبنى مركز التجارة العالمى فى عاصمة المال والأعمال العالمية– نيويورك– مقر منظمة الأمم المتحدة، ولتكمل احدى هذه الطائرات رحلتها إلى عاصمة السياسة– واشنطن– لتصيب مبنى البنتاجون– وزارة الدفاع وقتها، ووزارة الحرب الآن، دون أن يعترضها أحد بالطبع، لأنها ليست طائرات حربية، ولأنها دمرت وأصابت عن طريق الاصطدام الطوعى بالمبنيين وليس بإلقاء قنابل
كان الاختراق مفاجئاً وكانت طريقته خارج نطاق الخيال، وكان هدفه تدمير الهيبة الأمريكية ممثلة فى أكبر رمزين لقوتها العظمى وهما القوة الاقتصادية والقوة العسكرية، وهو ما دفع أمريكا– رداً على ذلك– لإعلان حرب على العالم كله لم تنته حتى يومنا هذا رغم مرور ربع قرن على الحادث.. وقد بدأتها باحتلال أفغانستان، ثم العراق ثم مطاردة تنظيم القاعدة، وبعده تنظيم داعش أينما وجدوا على سطح الكرة الأرضية، فى منطقتنا وفى القارة الأفريقية خصوصاً.
روسيا القوة العظمى الثانية على مستوى العالم خاصة فى المجال العسكرى والتى استعصت على الاختراق وكانت أحد رموز انتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت عمليتها العسكرية فى أوكرانيا قبل أربع سنوات، كانت تحارب داخل الأراضى الأوكرانية، وتحقق كل يوم تقدماً برياً تحتل به مساحات متزايدة من هذه الأراضى، وظلت كذلك لأكثر من عامين دون أن تتمكن أوكرانيا من المساس بحدودها أو اختراق أجوائها.
لكن بمرور الوقت وتدخل أمريكا وأوروبا إلى جانب أوكرانيا بالدعم العسكرى والاقتصادى واللوجستى والمخابراتى وبالعقوبات ضد روسيا تغير الوضع.. أصبحت الحدود الروسية مستباحة للاختراق البرى من القوات الأوكرانية التى نجحت فى دخول منطقة «كورسك» والبقاء فيها شهوراً قبل أن تتمكن القوات الروسية من طردها، ثم أصبحت الأجواء الروسية مستباحة أمام المسيرات الأوكرانية التى تضرب العمق الروسى يومياً الآن، وتصل إلى قلب العاصمة موسكو.
وسقطت نظرية الأمن المطلق والدولة المعقمة عن روسيا.
وجاء الدور بعد ذلك على إسرائيل، التى عاشت عمرها كله منذ قيامها عام 1948 تتمتع داخل الأراضى التى تقيم عليها بالأمن المطلق.. براً وبحراً وجواً رغم ما خاضته من حروب خارجية، حتى اجتاحها «طوفان الأقصى» الذى أسقط عنها– نهائياً– هذه النظرية واستباحها براً وبحراً وجواً من حماس فى غزة ومن حزب الله فى لبنان ومن الحوثيين فى اليمن.. ثم من إيران ذاتها بعد العدوان الأمريكى– الإسرائيلى المشترك عليها، لتجبر الإسرائيليين لأول مرة فى تاريخ دولتهم على الحياة معظم أوقاتهم داخل الملاجئ بعد أن نقلت إيران الحرب إلى الداخل الإسرائيلى.
والمثير فى هذا التحول التاريخى أن الدول الثلاث التى أصابها دول نووية أى صاحبة أكبر سلاح ردع حتى الآن.
هذا يعنى ليس فقط نهاية عصر الأمن والأمان المطلق ونظرية الدولة المعقمة ضد الاختراق بالنسبة لكل دول العالم، بل أيضا أن القوة العسكرية لأى دولة، مهما بلغت– ورغم أهميتها القصوى– لم تعد وحدها مناط ضمان الأمن والسلامة لأى دولة فى ظل التعدد المتزايد لأشكال الاختراق الإلكترونى والفضائى وغيره.
وهذا يفرض على الدول أن تعيد النظر فى إستراتيجياتها حتى تحمى أرضها وشعبها فى مواجهة هذه المتغيرات وتأمين مستقبلها.
ومصر فى مقدمة هذه الدول.. فرغم أن الرئيس الراحل أنور السادات قد أعلن أن حرب أكتوبر1973 هى آخر الحروب ووقع اتفاقية سلام مع إسرائيل والتزمت مصر بهذه الاتفاقية واحترمتها كعهدها مع كل ما توقعه من اتفاقيات دولية، ثنائية أو متعددة الأطراف بل وحولت «السلام» إلى إستراتيجية وطنية وقومية عامة فى علاقاتها الخارجية مع جميع الدول، فإنها لم تتعرض يوماً لما تتعرض له فى الفترة الأخيرة من مؤامرات وتحرشات الخارج ومن محاولات مستميتة للعبث فى الداخل.
إن الإقليم كله من حولنا يشتعل شيئاً فشيئاً، والخرائط تتغير أو توشك على ذلك والمخاطر تزداد والتشابكات تتعدد وتتعقد حتى لا تعرف من مع من ومن ضد من والقابض على السلام فيها كالقابض على جمرة والقدرة على التنبؤ بما سيحدث فى اليوم التالى، ومن أى اتجاه تتآكل.. حتى بدا وكأن من يمسكون بدقة قيادة الإقليم من داخله أو من خارجه هم أنفسهم لا يكادون يستقرون على شىء.
ولا نملك إلا أن ندعو الله أن يحفظ مصر.









