فى كل عام يتكرر المشهد نفسه كلما أعلنت نتيجة الثانوية العامة؛ فرحة فى بيوت، ودموع فى بيوت أخرى، وأسئلة أكبر من مجرد نسب نجاح أو مجاميع أو تنسيق جامعات. القضية لم تعد تتعلق بامتحان ينتهى فى أسبوعين، وإنما بمنظومة كاملة تمس حاضر المجتمع ومستقبله، لأن مخرجات التعليم اليوم هى أطباء الغد، ومهندسوه، وقضاته، ومعلموه، وصناع قراره.
قبل سنوات أعلن وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور طارق شوقى أن الثانوية العامة بشكلها القديم ستصبح من الماضى، وأن «بعبع الثانوية» سينتهى، وأن التكنولوجيا ستغلق أبواب الغش، وأن الدروس الخصوصية ستتراجع. وبعده جاء الدكتور رضا حجازى بخبرته الطويلة داخل المنظومة، وانتظر الناس استكمال الإصلاح. لكن السؤال الذى يفرض نفسه اليوم: هل انتهى بالفعل بعبع الثانوية، أم أنه مازال أكثر حضورًا من أى وقت مضى؟
إذا كانت أعداد كبيرة من الطلاب قد تكدست فى مناطق الخمسين والستين فى المائة، فهل يعكس ذلك تراجعًا حقيقيًا فى المستوى العلمى لدفعة كاملة؟ وهل من المنطقى أن تكون قدرات مئات الآلاف قد انهارت فجأة مقارنة بالسنوات السابقة؟ أم أن المشكلة تكمن فى طبيعة الامتحانات، أو أساليب التقويم، أو آليات إعداد الأسئلة والتصحيح؟ ومن المسئول عن الإجابة بوضوح وشفافية؟
وحين تتكرر أحاديث الغش الإلكترونى، والسماعات الدقيقة التى يصعب اكتشافها، وتسريب أجزاء من الامتحانات، وتفاوت النتائج بصورة لافتة بين بعض اللجان، ألا يصبح من حق المجتمع أن يسأل: أين تكافؤ الفرص؟ وكيف نطمئن إلى أن من حصل على حقه قد حصل عليه فعلاً، وأن من حُرم منه لم يكن ضحية خلل فى المنظومة؟
والسؤال الأكثر خطورة: ماذا يعنى أن يصل طالب إلى كلية الطب أو الهندسة أو الحقوق بالغش أو بوسائل غير مشروعة؟ أليس المجتمع كله هو الذى سيدفع الثمن بعد سنوات؟ كيف نأتمن طبيبًا لم يكتسب المعرفة الحقيقية؟ أو مهندسًا لم يمتلك أدوات العلم؟ أو محاميًا لم يتقن أساسيات القانون؟ إن العدالة التعليمية ليست حقًا للطالب وحده، بل هى ضمانة لأمن المجتمع كله.
ومن الأسئلة التى تنتظر إجابة كذلك: لماذا لا يُعلن نموذج إجابة موحد لجميع الامتحانات فور انتهاء أعمال التصحيح، حتى يستطيع الطالب وولى الأمر مراجعة الأداء بأنفسهم؟ ولماذا لا تكون آليات التصحيح أكثر وضوحًا وشفافية، بما يقطع الطريق على الشائعات ويعيد الثقة إلى النتائج؟ إن الشفافية ليست رفاهية، بل أحد أهم عناصر بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ثم ماذا عن المدرسة؟ هل ما زالت هى المؤسسة الأساسية للتعليم؟ أم أصبحت السناتر والدروس الخصوصية هى المدرسة الحقيقية، بينما تحولت الفصول إلى مجرد مقاعد خاوية؟ وإذا كانت الأسرة المصرية تنفق على الدروس الخصوصية أضعاف ما تنفقه على كثير من احتياجاتها الأساسية، فهل نحن أمام تعليم مجانى فعلاً، أم أمام تعليم مرتفع التكلفة تدفع فاتورته الأسر بصور مختلفة؟
وفى المقابل، ماذا تفعل الدول التى تتصدر مؤشرات جودة التعليم مثل فنلندا وسنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية؟ هل تعتمد على امتحان واحد يحدد مستقبل الطالب كله؟ وهل تجعل الحفظ هو الفيصل؟ أم أنها تقيس مهارات التفكير، والبحث، والتحليل، والعمل الجماعى، والإبداع، وتراكم أداء الطالب عبر سنوات، مع إعداد مكثف للمعلم، واستقلالية حقيقية للمدرسة، وربط وثيق بين التعليم وسوق العمل والبحث العلمى؟ ولماذا أصبحت هذه الدول فى صدارة الاقتصاد العالمى بالتوازى مع تصدرها مؤشرات التعليم والابتكار؟
ولعل السؤال الذى لا يقل أهمية: هل مازلنا أسرى ثقافة «كليات القمة»؟ وهل القمة اسم كلية، أم مستوى خريج؟ ألم يتخرج علماء كبار فى مدارس وجامعات مصرية بسيطة فى زمن لم تكن فيه سناتر بالمليارات ولا منصات إلكترونية ولا سباق محموم على الدرجات؟ ألم يقدم هذا الوطن للعالم علماء مثل أحمد زويل، وفاروق الباز، ومجدى يعقوب، ومصطفى كامل السيد، وهانى عازر؟ فما الذى تغيّر؟ ولماذا أصبح الحصول على الشهادة هدفًا فى ذاته، بينما تراجعت قيمة المعرفة؟
ولا يمكن تجاهل سؤال آخر يرتبط بالتوسع فى الجامعات الخاصة والأهلية. فالاستثمار فى التعليم مطلوب بلا شك، لكنه يحتاج إلى ضوابط صارمة تضمن الجودة. فهل يكفى إنشاء كلية طب دون مستشفى جامعى متكامل يتيح تدريبًا عمليًا حقيقيًا؟ وهل يجوز أن تتحول الشهادة إلى سلعة إذا غابت معايير الجودة والاعتماد؟
ويبقى حديث أخير إلى أبنائنا الذين يستعدون لدخول الجامعة. لا تجعلوا مجموع الثانوية هو المقياس الوحيد لقيمتكم. فالكلية ليست نهاية الطريق، بل بدايته. القمة ليست اسم كلية، وإنما إنسان يجتهد، ويتعلم، ويطور نفسه، ويحسن أداءه أينما كان. كم من طالب التحق بكلية متوسطة فأصبح من أوائل دفعته، ثم باحثًا متميزًا أو أستاذًا جامعيا أو رائد أعمال ناجحًا، وكم من خريج كلية مرموقة لم يستثمر ما أتيح له فضاع بين الزحام. اجعلوا الجامعة بداية لبناء الشخصية، وإتقان اللغات، واكتساب المهارات الرقمية، والبحث العلمي، والتدريب العملى، فهذه هى العملة الحقيقية فى سوق العمل اليوم.
إن أزمة الثانوية العامة ليست أزمة امتحان، بل أزمة رؤية. وإذا أردنا تعليمًا يصنع الإنسان، واقتصادًا يقوم على المعرفة، وبحثًا علميًا ينافس العالم، فعلينا أن نتوقف عن الاكتفاء بتغيير شكل الامتحان، وأن نبدأ فى طرح الأسئلة الصحيحة، لأن الإصلاح الحقيقى يبدأ دائمًا من سؤال صادق، لا من إجابة متعجلة.









