الأحد, أغسطس 9, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية ملفات

الهوية المصرية (1) معركة تعريف الذات.. لماذا أصبحت الهوية المصرية خط الدفاع الأول عن الدولة ضد التطرف؟

بقلم حسام الغمري
6 أغسطس، 2026
في ملفات
شيطان الجماعة (3)

حسام الغمري

34
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

لا تبدأ هزائم الأمم الكبرى لحظة اختراق حدودها الجغرافية، بل في اللحظة التي يضطرب فيها وعيها بذاتها، وتتآكل سرديتها الوطنية، وتعجز عن نقل جوهرها الحضاري من صفحات التاريخ إلى وجدان أبنائها.

فقبل أن تتهاوى القلاع المادية، تتبدد المعاني الروحية والأخلاقية التي تجعل الإنسان مستعدًا لبذل دمه دفاعًا عنها.

وقبل أن تُمحى الأوطان من خرائط الجغرافيا، تُنتزع شيفرتها من الضمير؛ فيتحول الوطن من سيرة مشتركة ومصير جامع إلى مجرد حيز نفعي للإقامة، ومن ذاكرة موحدة إلى تواريخ متنازعة وهويات متصارعة، ومن انتماء يسكن الوجدان إلى وثيقة رسمية يحملها المرء في جيبه، ولا يجد لها أثرًا في نبضه.

فالجندي المرابط على الحدود لا يحرس خطًا رُسم فوق التضاريس فحسب، بل يحمي معنى أسبق من السلاح وأبقى منه: شعبًا يؤمن بأنه شعب، وتاريخًا يعرف أنه تاريخه، ومستقبلًا يشعر بأنه شريك في صناعته. فإذا انهار هذا الجدار المعنوي الكامن في الصدور، لم تعد الثغور العسكرية آخر خطوط الدفاع، بل غدت أول الجدران المكشوفة والمهيأة للسقوط.

ومن هنا، يتجاوز سؤال الهوية حدود الترف الثقافي الذي تتداوله النخب في صالونات الفكر، أو الحنين العاطفي إلى مجد مضى، ليستقر في صميم المنظومة الاستراتيجية بوصفه إحدى أدق قضايا الأمن القومي المعاصر وأكثرها حساسية.

ففي عالم تُهندس فيه المعارك داخل العقول، وتُخاض في الفضاء الرقمي قبل أن تبلغ ميادين القتال، تصبح قدرة المجتمع على الإجابة الواثقة عن سؤال: «مَن نحن؟» شرطًا أوليًا للبقاء والسيادة.

وإذا كانت الدولة، بحكم وظيفتها الوجودية، تحرس أرضها ومياهها ومؤسساتها، فإن واجبها الأعمق أن تحرس وعيها الجمعي، والصورة التي يرى بها أبناؤها أنفسهم؛ لأن الأمة التي تصون حدودها المادية، ثم تترك عقول أجيالها نهبًا لسرديات الجماعات المتطرفة ومشروعات التفكيك، تكون قد تركت أخطر حدودها السيادية بلا حراسة.

حين تفقد الأمم مرآتها

يشبه فقدان الهوية أن يقف الإنسان أمام مرآته فلا يتعرف إلى وجهه، ليس لأنه فقد ملامحه، بل لأن تلك الملامح لم تعد تبوح له بمن يكون.

يرى العينين والفم والندوب، لكنه يعجز عن تذكر أي حياةٍ صاغتها، وأي ذاكرةٍ تستقر خلفها، وأي قصةٍ جعلت منها وجهًا لا يشبه سواه.

والأمم لا تختلف كثيرًا عن الأفراد في هذا المعنى، فقد تبقى آثارها قائمة، وأسماء مدنها وملوكها محفوظة، وأعيادها متوارثة، بينما ينقطع الخيط الخفي الذي يصل هذه الرموز بوعي الأجيال الجديدة.

وعندئذ لا يعود الماضي معينًا للهوية، بل يتحول إلى أثاثٍ ثقيل داخل بيتٍ لا يعرف ساكنوه مَن شيده، ولا لماذا بقي قائمًا.

وقد ميّز عالم المصريات ومنظّر الذاكرة الألماني يان أسمان

 Jan Assmann (1938–2024)

بين الذاكرة التواصلية التي تعيش في الخبرة المباشرة للأجيال، والذاكرة الثقافية التي تعبر الزمن عبر النصوص والطقوس والرموز والمؤسسات. فالذاكرة الثقافية، في تصوره، ليست مجرد أرشيفٍ للأحداث، بل الإطار الذي يُدرك الشعب من خلاله ذاتها، ويبني وعيه بتاريخه، ويحافظ على استمرارية هويته عبر القرون.

فالأمم لا تحفظ نفسها بقوة الذاكرة الفطرية وحدها، وإنما بما تبنيه من مؤسساتٍ تحفظ المعنى، ومدارسٍ تروي السيرة، وفنونٍ تُجسد الوجدان، ولغةٍ تُحوّل التاريخ من أحجارٍ صامتة إلى خبرةٍ حيّة، ومن وقائع منتهية إلى هويةٍ متجددة.

ولذلك لا تفقد الأمة هويتها لأن أبناءها نسوا تاريخًا أو تاريخين في امتحانٍ مدرسي، بل حين يعجزون عن رؤية الصلة بين ذلك التاريخ وحياتهم الراهنة.

وحين يصبح المعبد فرعونيًا لا مصريًا، والدير قبطيًا لا مصريًا، والمسجد إسلاميًا لا مصريًا، والعروبة أو الأفريقية أو المتوسطية هوياتٍ متنافسة، لا دوائرَ متكاملة داخل شخصيةٍ وطنية واحدة؛ عندئذ تبدأ السيرة الوطنية في التشظي إلى جزرٍ متباعدة، تمهيدًا لأن يستولي كل تيارٍ متطرف على جزيرةٍ منها، ثم يزعم أنها الوطن كله.

وهنا تبدأ أخطر مراحل تفكيك الدولة؛ فالأوطان لا تنهار لأن أبناءها يختلفون في قراءة الماضي، وإنما لأنها تعجز عن الحفاظ على الماضي بوصفه ذاكرةً جامعة، لا مادةً للصراع.

وما إن تنقطع الخيوط التي تنسج السيرة الوطنية، حتى يتحول التاريخ إلى رواياتٍ متنازعة، وتتحول الهوية إلى شظايا متفرقة، يبحث كل فريقٍ بينها عما يؤكد روايته، لا عما يجمع أمته.

فالمرآة لا تتحطم دفعةً واحدة؛ إنها تتشقق أولًا، ثم ينشغل كل فريقٍ بقطعةٍ من الزجاج، حتى ينسى الجميع أن الصورة الكاملة كانت يومًا واحدة.

مَن نحن؟ السؤال الذي يسبق الدولة

لا تستطيع الدولة أن تقوم طويلًا على الإدارة وحدها، فالمؤسسات تنظم الناس، لكن الهوية هي التي تجعلهم يعتقدون أنهم ينتمون إلى قصة واحدة.

وحين حاول المؤرخ والفيلسوف الفرنسي إرنست رينان

Ernest Renan (1823–1892)

الإجابة عن سؤال «ما الأمة؟» في محاضرته الشهيرة عام 1882، رفض اختزال الأمة في العرق أو اللغة أو الدين أو الجغرافيا ، وقال: » الأمة روح، ومبدأ روحي « ثم أوضح أن هذا المبدأ يتكون من امتلاك ميراث غني من الذكريات، ومن إرادة حاضرة لمواصلة الحياة المشتركة.

ووصف وجود الأمة بأنه «استفتاء يومي»؛ أي فعل إرادي متجدد، لا مجرد وراثة ساكنة.

ليست الأمة، إذن، ذاكرةً وحدها، وإلا تحولت إلى متحف، وليست إرادةً بلا ماضٍ، وإلا أصبحت عقدًا مؤقتًا يمكن نقضه عند أول أزمة.

إنها الماضي الذي يمنح الحاضر معناه، والحاضر الذي يقرر ألا يبدد ميراث الماضي.

ثم جاء عالم السياسة والمؤرخ الأيرلندي بندكت أندرسون

 Benedict Anderson (1936–2015)

ليقدم تعريفه المؤثر للأمة بوصفها «جماعة سياسية متخيلة، و محدودة وذات سيادة».

والمقصود بالتخيل هنا ليس الوهم أو الكذب، بل أن أبناء الأمة، رغم أن أغلبهم لن يلتقوا ببعضهم أبدًا، يحملون في أذهانهم صورة للرابطة التي تجمعهم.

فالمصري في أسوان لا يعرف ملايين المصريين في الدلتا، لكنه يتفاعل مع انتصارهم وفرحهم ومصابهم بوصفه جزءًا منهم.

وهذه المسافة بين عدم المعرفة الشخصية وشدة الانتماء لا تملؤها الجغرافيا وحدها، بل تملؤها السردية الوطنية المشتركة.

الجغرافيا تجمع السكان في مكان، أما الهوية فتحولهم إلى شعب.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تستهدف الحروب الإدراكية رواية الأمة عن نفسها.

فالعدو لا يحتاج دائمًا إلى إقناع المصري بكراهية مصر؛ يكفي أحيانًا أن يقنعه بأنها مجرد اسم، وأن تاريخها سلسلة من الهزائم، وأن مؤسساتها غريبة عنه، وأن كل مرحلة من مراحلها تناقض المرحلة الأخرى.

فإذا تفتتت الصورة الجامعة، أصبح من الممكن إحلال صورة الجماعة أو الطائفة أو التنظيم أو الأيديولوجيا محلها.

مصر التي أكدت نفسها مرارًا

لكن مَن هي مصر التي نبحث عن هويتها؟

هل هي مصر المعابد والأهرام؟ أم مصر الكنيسة القبطية والأجراس؟ أم مصر الأزهر والمآذن؟ أم مصر العربية التي صاغت لغتها الحديثة في القاهرة؟ أم مصر الأفريقية التي يمنحها النيل حياتها وعمقها؟ أم مصر المتوسطية التي أطلَّت منها على العالم ، وتبادلت معه الفكر والتجارة والحروب؟

السؤال نفسه – بهذه الصيغة – يحمل فخًا؛ لأنه يفترض أن على المصري أن يختار بين طبقات تاريخه، كأنها بطاقات هوية متنافسة !!

والحقيقة أن مصر لم تكن حاصل جمع هويات متجاورة، بل حصيلة انصهار حضاري طويل.

لم تكن فندقًا للحضارات؛ يدخل إليه الوافد محتفظًا بهيئته، ثم يغادر دون أن يترك إلا أثرًا عابرًا.

بل كانت بوتقة واثقة تعيد صياغة ما يدخل إليها، فتمنحه نبرة مصرية، وإيقاعًا مصريًا، وذاكرة مصرية.

هذه هي الزاوية التي تجعل مشروع الجغرافي والمفكر المصري جمال حمدان (1928–1993) أكثر من مجرد وصف لعبقرية المكان .

ففي كتابه الموسوعي شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان، لم يتعامل مع الجغرافيا باعتبارها مسرحًا صامتًا وقعت فوقه الأحداث، بل بوصفها طرفًا فاعلًا في تشكيل الشخصية والتاريخ والدولة.

فمصر عنده ليست انعزالًا داخل الوادي، ولا ذوبانًا في الجوار ، بل مركزًا تتقاطع عنده دوائر متعددة دون أن تلغي جوهره المبدع.

ولذلك لا ينبغي قراءة أبعاد مصر الفرعونية والقبطية والإسلامية والعربية والأفريقية والمتوسطية بوصفها طبقات طلاء وُضعت إحداها فوق الأخرى، بحيث لا تظهر الأخيرة إلا بمحو السابقة.

إنها أشبه بروافد دخلت نهرًا واحدًا ؛ يمكن للإنسان أن يميز منابعها، لكنه لا يستطيع بعد امتزاجها أن يعيد فصل كل قطرة عن الأخرى.

لقد استقبلت مصر المسيحية فصاغت واحدة من أقدم الكنائس الوطنية في العالم، وجعلت الصحراء المصرية مهدًا للرهبنة.

ثم استقبلت الإسلام والعربية، فلم تصبح نسخة من جزيرة العرب، بل صنعت مؤسسات دينية ومدارس مصرية ولغةً عربية اكتسبت في وادي النيل مذاقها وتراكيبها وتجربتها.

انتمت إلى العرب دون أن تفقد عمقها التاريخي، وإلى أفريقيا دون أن تنفصل عن المتوسط، وإلى العالم الإسلامي دون أن تتنازل عن شخصيتها الوطنية.

إن عبقرية مصر لم تكن يومًا في أنها أغلقت أبوابها في وجه التاريخ، بل في أنها فتحته على مصراعيه، واستوعبته، ثم أعادت تشكيله في بوتقتها الحضارية، دون أن تفقد اسمها أو روحها.

دوائر الانتماء أم خنادق الصراع؟

لا يكمن الخطرُ الوجودي على الأوطان في تعددِ روافدِ انتمائها ، وإنما في تسييسِ هذه الروافدِ وتحويلها إلى خنادقَ للاستقطابِ والتناحر الفكري. فحين يُحاصرُ المصريُّ بالخطاباتِ الضيقة التي تدّعي أنه لا يستطيعُ التمسّك بعروبته إلا إذا تنكّر لجذوره المصرية القديمة، أو أن اعتزازَهُ بإرثه القبطي يضعه في تضادٍ مع مكوّنه الإسلامي، أو أن عمقَهُ الأفريقي ينفي امتدادَهُ المتوسطي، نكون حينها قد انتقلنا عسفاً من “الهويةِ الـمركّبةِ المتناغمة” التي تمنح الدولةَ صلابتَها، إلى “الهويةِ الـممزَّقةِ” التي تفتح أبوابَ الوعي القومي لرياح التفكيك العاتية.

وقد حذر الاقتصادي والفيلسوف الهندي أمارتيا سن

(Amartya Sen 1933)

في كتابه ” الهوية والعنف : وهم المصير الحتمي”

(Identity and Violence: The Illusion of Destiny 2006)

من اختزال الإنسان في انتماء واحد ، فالإنسان ينتمي في وقت واحد إلى وطن ودين ومهنة وطبقة ولغة وثقافة ومدينة وأسرة وإنسانية أوسع؛ ولا يوجد تناقض ضروري بين هذه الروابط.

ويرى “سن” أن العنف والصراع يستفيدان من وهم الهوية الفريدة، حين يُطلب من الإنسان تجاهل جميع انتماءاته الأخرى لصالح هوية واحدة مغلقة.

إن أخطر كلمة يمكن إدخالها على تعريف الهوية المصرية ليست اسم مرحلة أو حضارة، بل حرف العطف » أم «

  • فرعونية أم عربية؟
  • قبطية أم إسلامية؟
  • أفريقية أم متوسطية؟

والحقيقة أن حرف العطف الصحيح في التجربة المصرية هو «الواو» ليس «أم».

مصر فرعونية وقبطية وإسلامية وعربية وأفريقية ومتوسطية، لكن هذه المكونات لا تعيش داخلها بوصفها جاليات تاريخية منعزلة.

لقد تعرضت جميعها لعملية تمصير طويلة؛ دخلت إلى الوجدان العام، وتبادلت التأثير، وأصبحت جزءًا من شخصية وطنية لا يمكن اختزالها في أحد روافدها.

وهذا لا يعني إنكار الاختلافات أو صهر المواطنين قسرًا في نموذج جامد؛ فالهوية الوطنية الواثقة لا تخاف من التنوع الواعي ، لأنها تمتلك إطارًا أوسع يستوعبه.

ممحاة التطرف.. حين يتحول الماضي المجيد إلى جاهلية

لا تطلب الجماعات المتطرفة من الإنسان أن يخون وطنه منذ اللحظة الأولى؛ فهي تدرك أن الخيانة قرار يصعب تسويقه، أما إعادة تعريف الوطن فهي فكرة يسهل غرسها.

ولذلك تبدأ المعركة من المعنى قبل أن تصل إلى الموقف، ومن الوعي قبل أن تنتهي إلى السلوك.

فتقدم للفرد تقسيمًا جديدًا للعالم، يصبح فيه الانتماء الوطني رابطةً أدنى، مؤقتة، قابلةً للتجاوز، بينما تتحول الجماعة إلى مصدر الحقيقة، وتغدو العقيدة – كما تفسرها القيادة المتطرفة – الحد الفاصل بين الانتماء والعداء، وبين الشرعية والضلال.

وفي رسائل مدرس الخط حسن البنا (1906–1949)، يظهر هذا التصور بوضوح. ففي «رسالة المؤتمر الخامس»، تحت عنوان «وطنيتنا ووطنيتهم»، يقول:

  «نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية»

وبذلك لم يعد الوطن إطارًا جغرافيًا تنشأ فيه المواطنة، بل فضاءً عقديًا يتسع أو يضيق بقدر ما يتسع تعريف الجماعة الإرهابية للعقيدة نفسها.

ولا تُنتزع مصر من وجدان الأتباع دفعةً واحدة، بل تُنزَّل منزلتها تدريجيًا؛ تُقبل أولًا بوصفها وطنًا قريبًا، ثم تُزاحمها هويةٌ عقائدية أوسع، قبل أن تصبح هذه الأخيرة المرجعية العليا التي يُقاس بها كل انتماء آخر.

ومع سيد قطب (1906–1966) ينتقل الخطاب من تهميش حدود الوطن إلى إعادة تعريف مفهوم الوطن ذاته؛ فلم يعد السؤال: كيف يزدهر الوطن؟ بل أصبح: ما الوطن أصلًا؟

ففي فصل «جنسية المسلم عقيدته» من كتاب «معالم في الطريق» يقول: «الجنسية هي العقيدة، والوطن فيها هو دار الإسلام»

ثم يضيف في موضع آخر:

«لم يعد وطن المسلم هو الأرض، إنما وطنه هو دار الإسلام»

وهنا لا تعود الأرض والتاريخ والمواطنة روافد للهوية، بل تُصوَّر باعتبارها ولاءاتٍ مزاحمة للعقيدة، كلما استدعى الأمر تقديم الانتماء التنظيمي أو الأيديولوجي على الانتماء الوطني.

وهكذا لا يعود العالم خريطةً من الدول والأوطان، بل خريطةً من الولاءات؛ قيمة الإنسان فيها لا تحددها جنسيته، ولا تاريخ وطنه، بل موقعه من التصور الذي تتبناه الجماعة.

وتغدو الدولة كيانًا مؤقتًا، بينما يُمنح التنظيم صفة الدوام، ويُعاد ترتيب دوائر الانتماء بحيث يصبح الولاء للعقيدة – كما تحتكر الجماعة تفسيرها – أعلى من الولاء للوطن، وأسبق من الانتماء إلى المجتمع.

ولا يمثل هذا التصور جوهر الفكرة الإسلامية للأمة، ولا يترتب حتميًا على الانتماء الديني، بل هو بناءٌ أيديولوجي متطرف صاغته جماعة الإخوان ، لتجعل من الدين معبرًا لتجاوز الدولة، ومن التنظيم سلطةً تحتكر تعريف الانتماء وحدود الشرعية.

إن المتطرف لا يبدأ بمحو الخرائط، بل بمحو السيرة التي منحت الخرائط معناها.

يقنع الإنسان بأن وطنه مجرد حادثٍ جغرافي، وأن تاريخه انقطاعٌ عن الحقيقة، وأن مجتمعه يعيش على هامش الإيمان، حتى يغدو التنظيم وحده هو الوطن، ومرشديهم وحدهم هم الذاكرة، والعقيدة كما تفسرها الجماعة هي التاريخ الجديد.

وعند تلك اللحظة، لا يعود الفرد مواطنًا انضم إلى تنظيم، بل يصبح ابنًا لتنظيمٍ يقيم مؤقتًا داخل وطن؛ فإذا تعارض الوطن مع التنظيم، بدا التخلي عن الأول وفاءً للثاني، لا خيانةً له.

قد يبدو التحول بسيطًا في بدايته: مجموعة الأفراد، لغة مشتركة، شعور بالأخوة، طقوس خاصة، وتفسير واحد للأحداث ، لكنه مع الوقت يعيد ترتيب هوية الفرد بأكملها.

وقد بين عالم النفس الاجتماعي البريطاني البولندي الأصل هنري تاجفيل Henri Tajfel (1919–1982)، في نظريته عن الهوية الاجتماعية، أن الإنسان يعرّف جزءًا من ذاته من خلال الجماعات التي ينتمي إليها ، وحين تتحول عضوية جماعة بعينها إلى المصدر المركزي للقيمة والمعنى، ينقسم العالم تدريجيًا إلى «نحن» و«هم» .

وفي التنظيمات المغلقة لا تبقى «نحن» وصفًا لصحبة أو انتماء جزئي، بل تصبح معيارًا أخلاقيًا كاملًا: نحن الأصفى، ونحن الأوعى، ونحن حملة الرسالة؛ أما الآخرون فهم إما خصوم، أو ضالون، أو جمهور ينبغي اختراقه وتوجيهه.

لماذا تصبح الهوية أمنًا قوميًّا؟

لا تعيش الهوية في الكتب وحدها ، إنها تُعاد يوميًا عبر لغة الأخبار، والمناهج، والأغاني، والمباريات، والخرائط، والآثار، والفضاء العام، وطريقة استخدام كلمات مثل «نحن» و«بلادنا» .

وقد صاغ عالم النفس الاجتماعي البريطاني مايكل بيلج Michael Billig (1947 ) مفهوم «القومية اليومية» في كتابه Banal Nationalism، ليوضح أن الانتماء الوطني لا يُستدعى فقط في لحظات الحرب والاحتفالات الكبرى، بل يُعاد تذكير الناس به من خلال إشارات عادية غير ملحوظة تتخلل حياتهم اليومية.

وهذا يعني أن الهوية، كما تُبنى يوميًا، يمكن كذلك أن تُهدم يوميًا.

  • تُهدم حين يتحول تاريخ الوطن كله إلى مادة للسخرية.
  • وحين يُصوَّر كل إنجاز وطني باعتباره خدعة.
  • وحين تُفصل الرموز عن معناها، وتُستبدل الذاكرة الوطنية بذاكرة تنظيمية انتقائية.
  • وحين يصبح الفرد أكثر اتصالًا بجماعة رقمية مغلقة بدلاً من اتصاله بالمجتمع الحقيقي الذي يعيش فيه.

لهذا تصبح الهوية خط الدفاع الأول عن الدولة ، ليس لأنها تمنع النقد، بل لأنها تمنع النقد من التحول إلى كراهية للذات.

المواطن الواثق بهويته يستطيع أن يرى أخطاء وطنه دون أن يتمنى سقوطه، وأن يختلف دون أن يتحول إلى أداة هدم ، وأن ينتمي إلى دينه وعروبته وأفريقيته وإنسانيته دون أن يتنازل عن مصريته.

أما الفراغ الهوياتي، فإنه لا يبقى طويلًا، تملؤه جماعة، أو طائفة، أو سردية خارجية، تعيد تشكيل ذاكرة الإنسان وفق ما تريده شبكات النفوذ والتمويلات.

والمستقبل لا يُبنى بإنسان مجهول النسب الحضاري، يرى ماضيه فصولًا متناحرة، ويظن أن عليه أن يقتل جزءًا من ذاكرته كي ينتمي إلى الجزء الآخر.

لذا، نعود إلى مصر القديمة، لا لنرتدي ثياب الفراعنة، بل لنفهم كيف تشكلت فكرة الدولة والنظام والإمبراطورية والخلود في الوجدان المصري.

ونقرأُ مصرَ القبطيةَ باعتبارِها فصلاً وطنياً خالصاً يتجلى فيه التحدي للمستعمر المعتدي، والروح المصرية الجامعة.

وسندرسُ أبعادَ مِصر الإسلامية والعربية والأفريقية والمتوسطية؛ لا كتواريخَ مجزأة، بل كروافدَ حيوية دخلت مَصهَرَ الشخصية الوطنية، لتخرجَ منه سبيكةً واحدة، شديدة التماسك، وتحملُ ختماً واحداً: مصرية الهوى والمآل.

فنحن لا نستعيد الماضي لكي نسكنه، بل لنحوّل تراكمه إلى طاقة لبناء الجمهورية الجديدة.

متعلق مقالات

خلف الزناتي نقيب المعلمين لـ«الجمهورية»: 13.4 مليار جنيه مزايا وخدمات للمعلمين منذ 2014 حتى الآن
ملفات

خلف الزناتي نقيب المعلمين لـ«الجمهورية»: 13.4 مليار جنيه مزايا وخدمات للمعلمين منذ 2014 حتى الآن

8 أغسطس، 2026
أوروبا تطالب بالإفراج عن رصيد «الفيفا»  لصالح الاتحادات الوطنية
ملفات

الواقع الفعلى لقوة المعلومة.. إدراك الحقيقة هو مفتاح الحل!

3 أغسطس، 2026
أوروبا تطالب بالإفراج عن رصيد «الفيفا»  لصالح الاتحادات الوطنية
ملفات

الذكاء اصطناعى.. لكن الضمير إنسانى

3 أغسطس، 2026
المقالة التالية
الرئيس السيسي: وصلتني الاحداث التي وقعت في بعض الدوائر الانتخابية التي جرت فيها منافسة بين المرشحين الفرديين

مصر ـ اليونان».. علاقة إستراتيجية وشراكة وثيقة

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • تهنئة من القلب.. زفاف مبارك للدكتور محمد جمال سرحان والدكتورة منار حمزة

    تهنئة من القلب.. زفاف مبارك للدكتور محمد جمال سرحان والدكتورة منار حمزة

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • بدء التقديم لكلية الطب العسكرية للعام 2025.. وقبول الإناث للمرة الأولى

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • كل ما عليك معرفته عن برج الثور الرجل

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • مدير أمن المنيا يعتمد حركة تغييرات موسعة للقيادات وضباط المباحث

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

قمة «مصرية ـ بحرينية».. بالعلمين الجديدة

قمة «مصرية ـ بحرينية».. بالعلمين الجديدة

بقلم عبير فتحى
7 أغسطس، 2026

وزير التربية والتعليم يشارك في مراسم إحياء الذكرى الـ81 لإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما

وزير التربية والتعليم يشارك في مراسم إحياء الذكرى الـ81 لإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما

بقلم جريدة الجمهورية
7 أغسطس، 2026

الرئيس السيسي: وصلتني الاحداث التي وقعت في بعض الدوائر الانتخابية التي جرت فيها منافسة بين المرشحين الفرديين

مصر ـ اليونان».. علاقة إستراتيجية وشراكة وثيقة

بقلم محسن الميري
6 أغسطس، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©