«تاجر البندقية».. عنوان ارتبط فى أذهان الملايين بمسرحية وليم شكسبير، لكن المقصود هنا ليس تاجرًا فى مدينة البندقية الإيطالية، بل تاجر البندقية التى تُطلق الرصاص. ذلك التاجر الذى لا يعرف وطنًا ولا قضية، ولا يعنيه من ينتصر أو ينهزم، بقدر ما يعنيه أن تستمر الحروب لتظل خزائنه تمتلئ بالأرباح.
فى كل مرة تشتعل فيها حرب، تتجه أنظار العالم إلى ساحات القتال، وإلى خرائط النفوذ، وإلى حسابات السياسة. غير أن هناك ساحة أخرى أقل ظهورًا، لكنها لا تقل تأثيرًا، وهى سوق السلاح العالمية، حيث تتحول المآسى الإنسانية إلى أرقام فى دفاتر الصفقات، ويتحول الدمار إلى أرباح، وتصبح الحروب مواسم رواج لصناعة لا تعرف الكساد.
وإذا كانت الشعوب هى التى تدفع الثمن من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها، فإن هناك من يحصد الثمار بعيدًا عن أصوات المدافع. فكل رصاصة تُطلق تعنى طلبًا جديدًا على الذخيرة، وكل دبابة تُدمَّر تفتح الباب أمام عقد تسليح جديد، وكل هدنة تنهار تعنى استمرار دورة الإنفاق العسكرى بمليارات الدولارات.
الحرب الدائرة فى منطقتنا، وما يحيط بها من أزمات وصراعات، أثبتت أن ألسنة النار لا تقف عند حدود دولة بعينها، فشظاياها تطال الجميع؛ سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، بل ونفسيًا أيضًا. ولهذا يظل السؤال مشروعًا: إلى متى تستمر هذه الدائرة المغلقة؟
ولعل أغرب ما فى الحروب الحديثة أن الجميع يتحدث عن النصر، بينما لا يشعر أحد بطعمه. فالمدن المدمرة لا تعرف معنى الانتصار، والأسر التى فقدت أبناءها لا يواسيها خطاب سياسى، والاقتصادات المنهكة لا تعوضها بيانات النصر. وفى النهاية، قد يرفع الجميع شعارات الفوز، لكن الحقيقة أن الجميع خرج مثقلاً بالخسائر.
ولا يمكن الجزم بأن كل الحروب تُصنع من أجل تجارة السلاح، فالصراعات لها أسبابها السياسية والتاريخية والأمنية المعقدة. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن هناك مصالح اقتصادية ضخمة تستفيد من استمرار النزاعات، وأن صناعة السلاح تُعد من أكثر الصناعات ارتباطًا بالتوترات الدولية، وأن إطالة أمد الصراعات تمنحها أسواقًا لا تنضب.
ويبقى السؤال الذى يستحق أن نتوقف أمامه: إذا كانت الحروب تنتهى فى النهاية إلى مفاوضات، فلماذا لا تبدأ بالمفاوضات قبل أن تُراق كل هذه الدماء؟ ولماذا يظل الإنسان هو الخاسر الأكبر، بينما يواصل تاجر البندقية عدَّ أرباحه فى هدوء؟









