ينصرف اهتمام التحليلات الاقتصادية اليومية، وبشكل شبه كلي، نحو مراقبة الشاشات الحمراء والخضراء لأسواق الطاقة العالمية، وتتبع قفزات أسعار برميل البترول الخام مع كل شرارة صراع تندلع فى الشرق الأوسط. غير أن قراءة الشواهد الجيوسياسية المتسارعة تؤكد أن ما يشهده العالم اليوم يتجاوز بمراحل حدود «أزمة طاقة» أو اضطراب مؤقت فى أسواق النفط، إننا نقف فى قلب «حرب عالمية بحرية» صامتة ولكنها مكتملة الأركان، تمتد خطوط تماسها الملتهبة من مضيق هرمز وممر باب المندب، وصولا إلى المياه الباردة فى بحر الشمال.
ظلت حرية الملاحة البحرية لعدة عقود مرتكزا أساسيا للنظام الاقتصادى العولمي، وركيزة لاستقرار سلاسل الإمداد التى تعتمد عليها دول العالم فى تداول أكثر من 80 % من التجارة العالمية. غير أن الصراعات الراهنة أثبتت أن الشرايين البحرية أصبحت الهدف الأول والأكثر هشاشة فى معارك نفوذ الأقطاب والقوى الإقليمية.
ما يلفت الانتباه فى التطورات الأخيرة أن البحر عاد ليصبح مركز الصراع الدولي. فمنذ القرن التاسع عشر كانت القوى الكبرى تدرك أن من يسيطر على البحار يمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي. واليوم، تعود هذه الحقيقة بقوة، ولكن بأدوات أكثر تعقيدا، طائرات مسيرة، وصواريخ دقيقة، وألغام بحرية، وأساطيل «ظل» تتحرك بعيدا عن أعين الرقابة.
ففى الوقت الذى تتعرض فيه الممرات المائية الحيوية كـ «هرمز» و«باب المندب» لتهديدات متزايدة بالتعطيل والحصار وإعاقة تدفقات التجارة من قبل أطراف متعددة، تمتد التكتيكات البحرية ذاتها إلى ساحات جغرافية أبعد، لتطال البنية التحتية البحرية فى شمال أوروبا وبحر الشمال، حيث تتقاطع كابلات الاتصالات وأنابيب الغاز والخطوط البحرية الاستراتيجية فى مواجهة خفية بين القوى العظمى.
إن خطورة هذه الحرب البحرية لا تكمن فقط فى تقلبات أسعار الخام أو ارتفاع تكاليف شحن الحاويات وأقساط التأمين البحري، بل تتمثل فى كسر القواعد الحاكمة للأمن البحرى الدولي، وتفتيت الجسور التى تربط بين الاقتصاد الأوروبى والشرق الأوسط وأسواق آسيا. وعندما تنخرط القوى الإقليمية والدولية فى عسكرة الممرات البحرية أو تهديد الملاحة التجارية كردعى استراتيجي، فإن النتيجة الحتمية هى كساد اقتصادى عالمى وشلل تام للبنية التحتية بالتجارة الدولية.
التقرير المنشور فى جريدة الجرائد العالمية يسلط الضوء على هذه الحقيقة بوضوح، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإمكانية إغلاق مضيق هرمز أو ارتفاع أسعار النفط، وإنما بتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط سياسية وعسكرية تستخدمها الدول لتحقيق أهداف استراتيجية، حتى لو كان الثمن اضطراب الاقتصاد العالمى.
فى وسط هذه الفوضى البحرية المحيطة بنا، يتجلى بوضوح الدور المحورى والموقع الاستراتيجى لمصر. فالقاهرة، التى طالما مثلت منصة رئيسية للاستقرار ووسيطا إقليميا لا غنى عنه، تجد نفسها أمام مسئولية تاريخية لحماية الأمن البحرى فى البحر الأحمر وتأمين حركة التجارة عبر قناة السويس وهى الشريان الذى يمثل جوهر التوازن فى الملاحة الدولية.
يجب أن يدرك المجتمع الدولى أن السلام والاستقرار الاقتصادى لا يمكن تحقيقهما عبر التصعيد أو الحلول العسكرية المنفردة على خطوط المياه. إن السيطرة على المضائق واستهداف الممرات لن ينتج عنهما سوى إنهاك الاقتصاد العالمى برمتهم، والمطلوب فورا هو الانتقال نحو رؤية أمنية شاملة ترتكز على الحوار الدبلوماسى وتأمين خطوط الملاحة الدولية باعتبارها حقاً عاماً ومصلحة بشرية مشتركة لا تحتمل العبث أو التهديد.









