دخلت قاعة الافتتاح فى بنغازى، صباح الثلاثاء 28 يوليو، وأنا لا أحمل سوى دفترى وقلمى، لكنى خرجت بعد ثلاثة أيام محملاً بأسئلة أكبر من الإجابات التى سمعتها. المؤتمر الدولى الأول للعدالة والإصلاح، الذى انعقد تحت شعار «العدل أساس المصالحة»، لم يكن مجرد فعالية بروتوكولية أخرى تضاف إلى قائمة المؤتمرات التى تشهدها ليبيا بين حين وآخر، بل بدا لى، وأنا أتابع الجلسات عن قرب، محاولة جادة لإعادة طرح سؤال قديم: كيف تبنى دولة خرجت من صراع طويل منظومة عدالة يثق فيها الناس؟
الملاحظة الأولى التى سجلتها فى دفترى كانت حجم المشاركة. نحو مئتى مشارك، يمثلون ثلاثين دولة، بينهم قضاة وأكاديميون وحقوقيون من بعض الدول العربية، إلى جانب ممثلين عن منظمات إقليمية ودولية. لم أشهد شخصياً فى بنغازى، خلال زياراتى السابقة، حضوراً دولياً بهذا الاتساع لملف بهذه الحساسية. وربما كان هذا وحده كافياً ليمنح المؤتمر ثقلاً يتجاوز الحدث المحلى.
لكن ما لفت انتباهى أكثر لم يكن عدد الحضور، بل نبرة النقاش داخل الجلسات. لم أسمع خطاباً احتفالياً فارغاً كما توقعت، بل استمعت إلى نقاش تقنى مفصل حول اكتظاظ السجون، وضرورة استحداث نظام «قاضى تنفيذ العقوبة»، وربط جهاز الشرطة القضائية بالمجلس الأعلى للقضاء بدلاً من تبعيات أخرى. هذه تفاصيل قد تبدو جافة لمن لم يتابع الملف عن قرب، لكنها فى جوهرها أسئلة عن من يملك السلطة على حياة الإنسان داخل السجن، وهو سؤال لا يقل أهمية عن أى سؤال سياسى كبير يشغل ليبيا اليوم.
فى الوقت نفسه، لا يمكننى كصحفى أن أتجاهل أن المؤتمر انعقد برعاية نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، وهو معطى يحمل دلالة سياسية لا تقل وضوحاً عن مضمونه الحقوقى. فحين تتبنى مؤسسة عسكرية ملف إصلاح العدالة وحقوق السجناء، يصبح من المشروع أن يسأل المراقب: هل نحن أمام إصلاح مؤسسى حقيقى، أم أمام محاولة لتوسيع الشرعية السياسية عبر بوابة حقوقية؟ الإجابة، فى تقديرى، ليست إما هذا أو ذاك، بل الاثنان معاً، وهذا بالضبط ما يجعل متابعة تنفيذ التوصيات، لا مجرد إصدارها، هى الاختبار الحقيقى.
وخارج قاعات المؤتمر، كان هناك مؤتمر آخر غير معلن يدور فى شوارع بنغازى، ولم أستطع كصحفى أن أمر عليه دون تسجيله. فى المساء، بعد انتهاء الجلسات، خرجت مع زملاء للتجول فى المدينة، والمشى فى أسواقها، والجلوس فى مقاهيها حتى ساعات متأخرة من الليل. لم أشعر لحظة واحدة بالقلق الذى كنت أتوقعه، بل وجدت مدينة تنبض بحياة طبيعية، حركة تسوق مستمرة، أضواء مضاءة، وناساً يتحركون بحرية دون توتر ظاهر. هذا المشهد، البسيط فى ظاهره، يحمل فى تقديرى دلالة لا تقل أهمية عن توصيات المؤتمر نفسها؛ فالأمن الذى شعرت به فى شوارع بنغازى هو الأرضية التى يمكن أن يُبنى عليها أى إصلاح مؤسسى حقيقى.
ولا يمكن أيضاً أن أغفل مشهداً آخر لفت انتباهى بقوة، وهو الحضور المصرى الكثيف فى مشهد إعادة الإعمار. رأيت بعينى عمالة مصرية فى مواقع البناء والطرق، وسمعت من أكثر من ليبى عن شركات مصرية تعمل فى مشروعات تعمير وبنية تحتية داخل المدينة وخارجها. وفى كل حديث عابر مع أهل بنغازى، سواء فى المقهى أو فى السوق أو حتى داخل قاعة المؤتمر، كانت مصر تحضر بمحبة واضحة، ليست مجاملة عابرة، بل شعور عميق يعبّر عنه الليبيون تجاه بلد يرونه شريكاً فى محنتهم وفى إعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.
خرجت من بنغازى وأنا أحمل انطباعاً مزدوجاً؛ تفاؤلاً حذراً لأن الحوار بدأ، وقلقاً مهنياً معتاداً من أن يبقى هذا الحوار حبيس القاعات. لكننى خرجت أيضاً بانطباع ثالث، أكثر دفئاً؛ أن مصر حاضرة فى ليبيا ليس فقط على طاولات المؤتمرات، بل فى الشوارع والمشروعات وقلوب الناس. ما رأيته يستحق المتابعة، لا الاحتفاء العابر، وهذا بالضبط ما سأفعله فى التغطيات القادمة.









