اعترف أننى كنت، حتى وقت قريب، أنظر إلى الذكاء الاصطناعى باعتباره اختراعًا لطيفًا من اختراعات العصر. أسأله سؤالاً فيجيب، وأطلب منه أن يترجم فقرة أو يلخص كتابًا أو يبحث عن معلومة، فيفعل ذلك فى ثوانٍ. ثم أغلق جهاز الكمبيوتر، وأعود إلى حياتى كأن شيئًا لم يكن.. لكن الأمر لم يدم طويلاً.
فكل صباح تقريبًا كنت أكتشف أن هذا «الضيف الجديد» تعلم شيئًا آخر. أصبح يلخص لى الصحف، ويؤلف القصص، ويرسم اللوحات، ويصمم الإعلانات، ويترجم من العربية الى عشرات اللغات وبالعكس، بل ويساعدنى كطبيب فى تشخيص الأمراض، ويساعد المهندسين فى تصميم المشروعات وحدث ذلك فعلاً مع ابنتي، ويساعد الباحثين فى تحليل آلاف الدراسات العلمية فى وقت لا يكاد يصدق. عندها أدركت أننا لسنا أمام برنامج جديد، وإنما أمام مرحلة جديدة فى تاريخ البشرية.
لو سألت عشرة أشخاص: ما هو الذكاء الاصطناعي؟ لحصلت على عشر إجابات مختلفة، مع أن الفكرة أبسط مما تبدو.. فهو، ببساطة، برنامج كمبيوتر شديد الذكاء، يستطيع أن يتعلم من ملايين المعلومات المخزنة أمامه، ثم يستخدمها ليجيب عن الأسئلة أو يقترح الحلول أو يساعد فى اتخاذ القرار. إنه لا يفكر بالطريقة التى نفكر بها نحن، ولا يملك عقلاً مستقلاً، لكنه بارع فى جمع المعلومات وتحليلها بسرعة تفوق أى إنسان.
ربما لهذا السبب انبهر به العالم كله. فهو لا يعرف الملل، ولا ينسي، ولا ينام ويعمل ليلاً ونهارًا بلا كلل، ويستطيع فى دقائق أن ينجز ما كان يحتاج من الإنسان أيامًا أو أسابيع. وليس غريبًا بعد ذلك أن يتوقع البعض أن يغير شكل التعليم، والطب، والقضاء، والإعلام، والصناعة، بل وطريقة حياتنا كلها خلال سنوات قليلة.
وكل هذا جميل.. بل ومثير للإعجاب.. لكنني، كلما ازداد إعجابى بقدرات الذكاء الاصطناعي، ازداد اقتناعى بأن القضية الحقيقية ليست ما يستطيع أن يفعله، وإنما ما لا يستطيع أن يفعله.
هنا بالضبط بدأت الأسئلة التى تشغلني.. هل يمكن لآلة أن تعرف معنى الرحمة؟ هل يمكن لبرنامج كمبيوتر أن يشعر بوخز الضمير؟ هل يستطيع هذا البرنامج أن يفرق بين القرار الصحيح.. والقرار العادل؟
قد تبدو هذه أسئلة فلسفية، لكنها فى الحقيقة أسئلة عملية جدًا، لأننا بدأنا بالفعل نعتمد على الذكاء الاصطناعى فى قرارات تمس حياتنا كل يوم.. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل: أين يجب أن نتوقف؟ وما الحدود التى لا ينبغى أن نتجاوزها؟
فى رأيي، هناك حد واضح لا أظن أن الذكاء الاصطناعى سيستطيع تجاوزه، ليس اليوم ولا غدًا، ولا حتى بعد غد وربما الى اخر الزمان.. إنه الضمير.
فالضمير ليس معلومة تُخزن، ولا برنامجًا يُكتب، ولا تطبيقًا يمكن تحميله على جهاز. إنه ذلك الصوت الخفى الذى يجعل الإنسان يتردد قبل أن يظلم غيره، ويشعر بالندم إذا أخطأ، ويختار أحيانًا طريقًا أصعب لأنه الطريق الصحيح. إنه ببساطة القدرة على التفرقة بين ما نستطيع أن نفعله، وما ينبغى أن نفعله.ولعل هذه هى النقطة التى يختلف فيها الإنسان عن أذكى آلة يمكن أن يصنعها.
فإذا كان الضمير هو الحد الذى تقف عنده الآلة، فدعونا ننظر إلى بعض المواقف التى يعيشها كل واحد منا.تخيل قاضيًا يجلس على منصة المحكمة، أمامه أوراق القضية، ونصوص القانون، وأحكام سابقة فى قضايا مشابهة. لا شك أن الذكاء الاصطناعى يستطيع أن يساعده فى الوصول إلى كل ذلك فى ثوانٍ، وربما يقترح عليه الحكم الذى يتفق مع أغلب السوابق القضائية، لكن يبقى سؤال صغير.. وكبير فى الوقت نفسه، هل العدالة مجرد عملية حسابية؟ الإجابة بالطبع لا. فالقاضى لا يحكم بعقله وحده، وإنما يحكم أيضًا بضميره، وبخبرته، وبقدرته على أن يرى ما بين السطور، وأن يوازن بين نص القانون وروحه. ولهذا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعى مستشارًا ممتازًا للقاضي، لكنه لا ينبغى أن يصبح القاضى نفسه.
الطب لا يختلف كثيرًا.أقول هذا بعد أكثر من نصف قرن قضيته فى غرف العمليات.
لا أخفى إعجابى بما بدأ يقدمه الذكاء الاصطناعى للأطباء. فهو يساعد على اكتشاف بعض الأمراض فى مراحل مبكرة، ويحلل صور الاشعة بدقة مدهشة، وقد يلفت نظر الطبيب إلى تفاصيل لم تكن واضحة. وكل هذا مكسب حقيقى للمريض قبل الطبيب.
لكن.. لم يحدث مرة واحدة أن رأيت جهازًا يطمئن أمًا تنتظر ابنها خارج غرفة العمليات، ولم أر برنامجًا يعرف متى يصمت، ومتى يتكلم، ومتى يربت على كتف مريض أنهكه الخوف أكثر مما أنهكه المرض. هذه أشياء لا تُدرَّس فى كليات الهندسة التى أخرجت لنا هذا المخلوق العجيب، ولا تُضاف إلى البرامج عند تحديثها، لأنها ببساطة جزء من التجربة الإنسانية.
بالمناسبة فإننى أذكر أن أحد المرضى قال لى يومًا قبل الجراحة: «يا دكتور.. أنا مطمئن لأنك أنت الذى ستجرى العملية» توقفت طويلاً أمام هذه الجملة.لم يكن الرجل يقصد أننى أمسك المشرط بطريقة تختلف عن غيري، وإنما كان يبحث عن شيء آخر.. عن الثقة، وعن الأمان، وعن الإحساس بأن هناك إنسانًا يشعر به قبل أن يعالجه. وهنا أدركت أن الطب، مهما تقدم، سيظل أكثر من أجهزة وتحاليل وأدوية.. إنه علاقة بين إنسان وإنسان.
لذلك أرحب بالذكاء الاصطناعى داخل المستشفى بكل قوة، لكننى لا أريده أبدًا أن يحتل مكان الطبيب، فالآلة قد تساعد الطبيب…لكنها لا تستطيع أن تكون طبيبًا.
الحقيقة أن الأمر لا يقتصر على القضاء أو الطب. فنحن نعيش اليوم عصرًا أصبحت فيه الآلة تكتب، وترسم، وتترجم، وتجيب، وتقترح، حتى بدأ بعض الناس يتساءلون: ماذا بقى للإنسان؟وأظن أن الإجابة بسيطة.. بقى كل ما لا يُشتري، ولا يُبرمج، ولا يُحمل من على الإنترنت.. بقيت الرحمة.. وبقى الضمير.. وبقيت المحبة، وبقيت القدرة على أن نواسي، ونسامح، ونعتذر، ونضحى من أجل من نحب.
لذلك فإن القضية الحقيقية ليست أن نخاف من الذكاء الاصطناعي، ولا أن نبالغ فى الإعجاب به، وإنما أن نحسن استخدامه. فالتكنولوجيا، عبر التاريخ، لم تكن يومًا عدوًا للإنسان، بل كانت دائمًا امتدادًا لقدراته. المشكلة لا تبدأ عندما تصبح الآلة أكثر ذكاءً، وإنما عندما يتوقف الإنسان عن التفكير، أو يتخلى عن مسئوليته، أو يترك للآلة اتخاذ قرارات لا يجوز إلا للضمير الإنسانى أن يتخذها.
هنا أصل إلى ما أراه الرسالة الأهم، خاصة للآباء والأمهات والمعلمين. فالمستقبل لن يكون من نصيب من يحفظ أكبر قدر من المعلومات، لأن الآلات أصبحت تحفظ أكثر منا جميعًا. ولن يكون من نصيب من يستطيع الوصول إلى المعلومة، فهذه أصبحت متاحة بضغطة زر. وإنما سيكون من نصيب من يعرف كيف يسأل السؤال الصحيح، وكيف يفكر، وكيف يبدع، وكيف يستخدم المعرفة لصالح الناس..لقد تغيرت قواعد اللعبة.
أصبح من واجب المدرسة أن تعلم أبناءنا التفكير، لا الحفظ فقط، ومن واجب الجامعة أن تخرج عقولاً تبحث وتبتكر، لا شهادات تعلق على الجدران. أما الأسرة، فدورها أصبح أهم من أى وقت مضي، لأنها المكان الأول الذى يتعلم فيه الطفل معنى الصدق، والأمانة، واحترام الآخر، وتحمل المسئولية. وهذه القيم لن يستطيع الذكاء الاصطناعى أن يمنحها لأحد.
أتصور أن السنوات القادمة ستشهد منافسة شرسة بين الشركات لتقديم أذكى برنامج، وأسرع جهاز، وأقوى تطبيق. وهذا أمر طبيعي، بل ومطلوب. لكننى أتمنى أن نشهد، فى الوقت نفسه، منافسة لا تقل أهمية: كيف نصنع إنسانًا أكثر رحمة، وأكثر عدلاً، وأكثر احترامًا لإنسانيته وإنسانية غيره.فالذكاء، مهما ارتفع، لا يكفى وحده لبناء حضارة.والعلم، مهما تقدم، لا يغنى عن الأخلاق. والتكنولوجيا، مهما بلغت من الإبهار، لا تستطيع أن تحل محل الضمير.
لعل هذا هو الدرس الجميل الذى علمنا إياه الذكاء الاصطناعى بنفسه دون أن يقصد. فقد جعلنا نكتشف أن أعظم ما نملكه ليس سرعة عقولنا، وإنما إنسانيتنا.
لقد نجح الإنسان فى أن يصنع آلة تقترب كل يوم من طريقة تفكيره.. ويبقى التحدى الأكبر أن يظل هو إنسانًا.









