نحتاج عدالة أسرع، ما جدوى تغليظ عقوبة الجرائم الإلكترونية إذا ظل المجنى عليه ينتظر شهورًا حتى يصل القانون إلى الجانى؟ فى عالمٍ أصبحت فيه ضغطة زر قادرة على هدم سمعة إنسان، وتشويه صورته، والنيل من كرامته أمام آلاف الأشخاص، لا يمكن أن تظل مواجهة الجرائم الإلكترونية تسير بالسرعة ذاتها التى كانت تسير بها الجرائم التقليدية. وهنا يفرض الواقع سؤالًا لا يجوز تجاهله: ما جدوى تشديد العقوبات على الجرائم الإلكترونية إذا لم يشعر مرتكب الجريمة أن القانون قادر على الوصول إليه بسرعة؟ لقد أصبح من أسهل الأمور أن ينشئ شخص صفحة وهمية أو حسابًا مجهول الهوية، ثم يبدأ فى السب والقذف والتشهير وترويج الأكاذيب والادعاءات الباطلة، مستغلًا سرعة انتشار المحتوى الإلكترونى وصعوبة السيطرة على آثاره بعد نشره. وقد لا يحتاج الجانى إلى أكثر من دقائق حتى تصل إساءته إلى مئات أو آلاف الأشخاص. أما المجنى عليه، فيبدأ رحلة أخرى تمامًا. بلاغ، وانتظار، وإجراءات، وفحص فنى، وتحريات، ثم انتظار جديد. وفى الوقت الذى ينتظر فيه المجنى عليه أن يصل القانون إلى الجانى، تكون الإساءة قد قطعت مسافات واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وربما أصبحت حقيقة فى نظر البعض لمجرد تكرارها وانتشارها. وهنا لا يصبح الضرر مجرد منشور مسيء، وإنما يتحول إلى ضرر مستمر يتجدد مع كل مشاركة وإعادة نشر. ولذلك فإن سرعة التعامل مع الجرائم الإلكترونية ليست رفاهية، وإنما ضرورة تفرضها طبيعة الجريمة نفسها. القانون القوى لا يكفى، لدينا نصوص قانونية تجرّم العديد من صور الاعتداء الإلكترونى، ولدينا عقوبات رادعة، ولدينا جهات مختصة بمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات.
السؤال هنا: هل آليات تنفيذ القانون تواكب سرعة الجريمة؟ لأن قوة القانون لا تقاس فقط بشدة العقوبة التى ينص عليها، وإنما بقدرته على الوصول إلى مرتكب الجريمة وتقديمه للعدالة فى الوقت المناسب. وما قيمة أن يعرف الجانى أن هناك عقوبة مغلظة تنتظره، إذا كان يعتقد أن الوصول إليه سيستغرق وقتًا طويلًا؟
الردع الحقيقى لا يصنعه النص وحده وإنما يصنعه يقين الجانى بأن القانون سيصل إليه. نحن نريد عدالة ناجزة ومنضبطة؛ عدالة لا تسمح بأن تتحول سرعة الجريمة الإلكترونية إلى بطء فى مواجهتها. نحتاج إلى تطوير آليات استقبال وفحص البلاغات الإلكترونية، وزيادة الكفاءة الفنية، وتسريع إجراءات التحرى والفحص الفنى فى الحدود التى يسمح بها القانون، لأن التكنولوجيا تتطور كل يوم، وأساليب ارتكاب الجرائم الإلكترونية تتطور معها. لا يمكن أن نواجه جريمة مستقبلية بأدوات ماضٍ. المجنى عليه الذى يلجأ إلى الجهات المختصة يريد أن يعرف أن القانون موجود لحمايته. يريد أن يشعر أن كرامته وسمعته ليستا مباحتين لكل من قرر أن يختبئ خلف شاشة أو حساب مجهول. ويريد أن يرى من اعتدى عليه يُحاسب وفقًا للقانون،









