كل الأيام أيام الله، وكذا الشهور، غير أن شهر أغسطس تحديدًا هو الأشد صعوبةً وقسوةً على كافة المستويات.
هو الشهر الذي ترتفع فيه درجات الحرارة جدًا، حتى سُمِّي عند العرب “آب… اللهّاب”، وكان يُعرف في الريف المصري بأنه شهر الحرائق؛ احتراق أجران القمح بالمحصول كله، واحتراق المنازل والبيوت لأسباب واهية. وكان شهر هياج دودة القطن، فتلتهم المحصول الرئيسي لدى مصر والمصريين، وكانت وزارة الزراعة تزيد من استعمال المبيدات، فتتلوث البيئة، وتموت الطيور صديقة الفلاح والحيوانات الأليفة، فضلًا عن وقوع حالات تسمم بين الفلاحين والعاملين بالزراعة.
ليس هذا كل شيء، فقد كان أغسطس شهر “حمو النيل”، فيهرع الأطفال والشبان إلى مياه الترع للتخفيف من وطأة الحر، لكن البلهارسيا كانت جاهزة لاقتحام الأجسام الهزيلة والاستقرار في الكبد، وهكذا فقدنا النحات العظيم محمود مختار، والعندليب عبد الحليم حافظ.
وقبل بناء السد العالي كان النيل يفيض، فيغرق البيوت ويدمر كل ما يقابله. وقد ذكرت السيدة سوزان طه حسين، في كتابها المهم “معك”، بالتفصيل كيف كان حال بيوت وعمارات الزمالك مع فيضان أغسطس؛ إذ كانت المياه تملأ الأدوار السفلى، فيترتب على ذلك تدمير الأثاث وكل شيء. والأخطر أنها كانت تدخل البيوت مع المياه حشرات وزواحف، أخطرها الثعابين، وهو ما أصابها بالرعب على زوجها، عميد الأدب العربي، فقررت الأسرة مغادرة الزمالك والاتجاه إلى صحراء الجيزة، حيث فيلا رامتان (متحف طه حسين حاليًا).
حاليًا صار أغسطس شهر الحرائق الكبرى.. تابعنا في الأيام الأخيرة الحرائق في فرنسا وإسبانيا، وفي أعوام سابقة كانت في اليونان ودول أخرى في حوض البحر المتوسط. وباتت الحرائق نتيجةً شبه حتمية للارتفاعات القياسية في درجات الحرارة. وبعيدًا عن الغابات، تتوقف محطات توليد الطاقة الكهربائية في عديد من الدول، بما يترتب على ذلك من تعثر جوانب عديدة في الحياة. ونحن في مصر عانينا من ذلك فترةً، حين كانت وزارة الكهرباء تلجأ إلى خطة تخفيف الأحمال، والحمد لله تجاوزنا ذلك الآن، لكن بفاتورة مالية مرتفعة تتحمل الدولة العبء الأكبر فيها، ويتحمل المواطن أيضًا عبء ارتفاع فاتورة الكهرباء، لكنه أخف الضررين.
اجتماعيًا.. يُعد أغسطس شهر الاحتدام.. لا أقول التحاقد والتحاسد بين أولئك الذين يقضون الصيف في الساحل وأولئك الذين يبقون في بيوتهم. من قبل، كان بعض المصريين يذهبون إلى أوروبا أو إسطنبول، والبعض إلى رأس البر.. كان ذلك في مطلع القرن الماضي، ثم تطورت المصايف، إلى أن طرأت علينا وسائل التواصل الاجتماعي، فراح سكان الساحل يبالغون، ويصورون، وينقلون كل شيء بطريقة التباهي، وأحيانًا الشكوى المدللة؛ فمنهم من دفعت عدة آلاف مقابل طبق بطاطس ومشروب، وإحدى السيدات تتصل من الساحل بصديقة لها تشكو في شهر أغسطس من برودة الجو ليلًا في الشاليه، واضطرارها إلى الاستعانة بغطاء، تعرف الصديقة أنها “فشّارة”، لكنها متأكدة أنها تقصد: “تغيظني”.
ما بين المحبطين اجتماعيًا، الذين يزيد لهيب أغسطس إحباطهم، ومحدثي النعمة الذين لا تنقصهم الفجاجة والادعاءات، يدور اللغط طوال الشهر عبر وسائل التواصل. أغسطس هو شهر التحاقد الاجتماعي بين الساحل “الشرير” والساحل “الخَيِّر”، وبين رواد الساحل ورواد جمصة وبلطيم.. وحين تعرض سكان الساحل لأزمة هذا العام، وحاولوا الزج بالسيادة الوطنية في الأزمة، لم يتعاطف معهم كثيرون، بل تجاهلوهم، وربما شمتوا فيهم. ولننحِّ جانبًا محاولة بعض غلمان حسن البنا الصيد في الماء العكر.. والطريف أن ذلك التجاذب الاجتماعي يظهر ويشتد في أغسطس، ثم لا يلبث أن يزول في الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر، مع بدء الاستعدادات للعام الدراسي الجديد.
سياسيًا وعسكريًا، فإن أغسطس شهر النار أيضًا.. ففي الثاني من أغسطس عام ١٩٩٠، تحرك الرئيس العراقي صدام حسين نحو دولة الكويت، فقام باحتلالها، ثم أعلن إلغاء دولة الكويت وتحويلها إلى محافظة عراقية، هي المحافظة رقم (١٩)، وعيَّن لها محافظًا.. وأحدثت هذه الخطوة شرخًا في مفهوم الأمن القومي العربي، ربما لم يتم تجاوزه حتى اليوم. وباختصار، لم يعد المستعمر الأوروبي وحده من يمكنه احتلال بلد عربي.. ومن المؤسف أن صدام حسين لم يستجب للنداءات العربية وقتها بالانسحاب، فتدخل الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب لتحرير الكويت، وشاركت قوات عربية في العملية، من مصر وسوريا، ولجأت دول الخليج فيما بعد إلى الولايات المتحدة لضمان أمنها، وعدم تكرار مغامرة من هذا النوع.. ومتأخرًا جدًا اكتشف صدام كارثية ما قام به، لكن الرصاصة كانت قد انطلقت بالفعل، وتركت ندبة غائرة في الجسد العربي.
ومع توالي الأحداث والحروب في المنطقة، وما تعرض له العراق عام ٢٠٠٣، والرئيس صدام حسين شخصيًا، طُمِر ذلك الحدث، لكن صداه لا يزال حاضرًا في الأعماق حتى اليوم، لدى الأجيال الجديدة تحديدًا.
وفي الرابع من أغسطس عام ٢٠٢٠ وقع انفجار مرفأ بيروت.. وفي اللحظة الأولى فَقَدَ (٢٢٠) مواطنًا حتفهم، وتضرر ربع مدينة بيروت، العاصمة اللبنانية، وهدد التلوث العاصمة كلها، وإلى اليوم لم يكتمل التحقيق، وأشارت أصابع الاتهام وقتها إلى إسرائيل وإلى حزب الله، وتبين أن المرفأ كان مخزنًا به أطنان من النترات، بالمخالفة للقوانين والقواعد، وكانت المواد تخص الحزب، وظهر الاتهام على خلفية أن إسرائيل تعتبرها مواد خطرة يمكن أن تُستعمل ضدها.. أما الذين أشاروا إلى الحزب، فذهبوا إلى أنها كانت الطريقة الوحيدة للتخلص من تلك المواد.
وإلى اليوم لم يُحسم الأمر، وطالب الرئيس اللبناني جوزيف عون، أمس الاثنين، في ذكرى الحادث، القضاء بسرعة العمل والبت في الأمر. وحادث ميناء دمياط -الأربعاء الماضي- يتشابه، من حيث التفكير فيه وطريقة تنفيذه، مع حادث مرفأ بيروت؛ مُسيَّرة تضرب بسرعة وتحترق، ويختفي حطامها وسط حطام الحريق، فلا يعرف أحد، على وجه اليقين، ماذا حدث بالضبط، وكيف حدث.. جريمة بلا بصمة، وبلا مجرم.. والفارق الكبير هو في نجاعة وقوة الإدارة والإرادة المصرية في التعامل مع الحادث، فلم تقع خسائر بشرية، وكانت الخسائر المادية في أضيق الحدود، وهو ما مكَّن المحققين من الإمساك ببقايا المُسيَّرة، ومن ثم وجدنا بعض البصمات، ونثق أن الجهات والأجهزة المصرية سوف تتوصل إلى كافة التفاصيل في أسرع وقت، وكما وعد وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، فسوف تُعلن النتائج للرأي العام.
وبغض النظر عن هذا كله، فإن العقلية الشريرة والمدمرة تتشابه في الحادثين، ليس فقط في أداة وأسلوب التنفيذ، بل أيضًا في أن الشر لديهم ليس له حد أو سقف يمكن التوقف عنده. هؤلاء يمارسون الشر المطلق، الشر لذاته وبذاته، وعمليًا يفوقون إبليس في الشر والإفساد. وعادةً، في “العمليات القذرة” من هذا النوع، لا تتورط دولة رسمية، بل توكل المهمة إلى عملاء من أولئك الذين يتسمون بالقذارة، على غرار الأفراد الذين كان يتم “كراؤهم” في الريف المصري لتنفيذ جريمة قذرة لحساب عائلة أو طرف لا يليق أن تتلوث يداه مباشرة؛ كقتل إنسان، أو تسميم المواشي، أو حرق محصول.
حمى الله مصر والمصريين.









