الأحداث الكبرى تتسارع من حولنا والمواقف تتبدل أمام أعيننا ونحن في حالة من الاسترخاء الفكري العجيب، والخداع البصري يفعل الأفاعيل لترسيخ الأباطيل ونحن ننظر إليه في بلاهة غريبة، وسحرة فرعون يمرقون كما يمرق السهم من الرمية ونحن نصفق لسحرهم ونحن نائمون، نرى صوت الباطل يعلو ويعلو ويجلجل بينما صوت الحق مخنوق مبحوح مذموم رغم صراخه المكتوم ونحن نقف في منتصف المسافات وكأن الأمر لا يعنينا ، كل هذا يحدث ولا أحد يفكر فى القيام بتحليل ما يحدث ووضعه في سياقات إستراتيجية مفهومة ومقنعة، فقط نرى تحليلات تتسم بالرعونة والشخصنة وربما اللزوجة، وهنا أتساءل عن مرحلة ما بعد اللزوجة، هل نستمر ندور حول أنفسنا مغمضي عيوننا وعقولنا ؟ علينا أن نستفيق فكريا وثقافيا، بيد أن الأحداث الكبرى الجارية تاريخيّة بحق وغير مسبوقة بصدق، لكن – وآه مما بعد لكن – أرى فراغا فكريا وتنظيريا مرعبا،
>>>
فلا أجد من يقود بأفكاره عقول الجماهير نحو المبادئ الكبرى والمشروعات العظيمة، استنفار حضاري مفقود واستنهاض للهمم منقوص، أننا نمر بحالة من العتمة المعرفية النادرة أفقدتنا القدرة على قراءة ما يدور حولنا، لم يعد أمامنا إلا التحليلات اللزجة التي لا تجيد قراءة ما بين سطور الأحداث، توقف الاجتهاد الفكري تحت مقصلة الجمود والكسل والهزائم النفسية المتراكمة ، فهناك الكثير مما يجري أمام أعيننا ولا نجيد قراءته وتحليله، فما بالنا بما يجري في الغرف المغلقة خلف الأسوار داخل هذا المرسم المسحور ؟ نسمع أصواتا وهمهمات لكننا لا نستطيع تفسير أو فهم مدلولاتها أو سياقاتها.
>>>
لكن السؤال الذي يشغلني ويقلقني هو لماذا أصابتنا لعنة الاسترخاء أمام ما يجري سرا وعلانية ؟ لماذا انبطحنا أرضاً أمام تلك العواصف والرياح العابثات ؟
الذي يقلقني حقا هو قلق النخبة الساكنة دون حراك، الداكنة دون ألوان، فعندما تهب الرياح وتتحول إلى عواصف عاتية تقتلع كل ما هو سطحي وخفيف الوزن وبلا جذور في طريقها، هذه الرياح العابثات تتحرك إلى حيث المنخفضات الجوية وجودا وعدما، بيد أن حالة العبث الإنساني الحالية تشبه الرياح الحائرة والدائرة في فراغ الفوضى تنذر بالخطر الشديد.
>>>
والمستفيد الأول والأكبر فيما يجري على الصعيد العالمي هم دعاة الفوضى والاناركية وداعمي الفكر الانشطاري الذي يهدف إلى تفريغ العالم من قيمه الأخلاقية وثوابته الفكرية وقوانينه الإنسانية.
التغيير الجاري أمام أعيننا عنيف لكننا وللأسف الشديد لا نقرأه بنفس العمق وبنفس اللغة، فمعظمنا ينظر إلى تلك التغييرات الحادة على أنها سياسية أو اقتصادية فقط الحقيقة انها تغيرات ثقافية وعقيدية، ربما يجوز أن أطلق عليها « حرب المرجعيات» فالمرجعيات الليبرالية واليسارية مثلا في مواجهة صريحة مع المرجعيات اليمينية والشمولية أو ما يطلق عليه الغرب السلطوية، لكن هذه الحقيقة أيضا باتت في موضع المراجعة.
>>>
فالتغيرات أعمق من تلك الصورة التي باتت سطحية ، ففكرة صراع الحضارات والأديان ولت وحل محلها تلك الصراعات الفكرية سواء الليبرالية ومشتقاتها من النيو ليبرالية وغيرها وصولا إلى ما نسميه الآن صوت الجنوب أو الحضارات المشرقية تحت التشكيل الآن أرى رياحا عاتية تنطبق بشكل عشوائي في كل الاتجاهات ولا يمكن لأحد توقع مسارتها وتحركاتها وما ستفعله وهي تتحرك بعنف، هذه الرياح تزيح ثوابت ومتغيرات وتبدل قيم وثقافات وما نراه من مظاهر لا نضعه في سياقه الصحيح حتى نستطيع رؤية اللوحة النهائية وهي تُرسم في المرسم المسحور غير المنظور.
>>>
لكن بحق السماء من يحرك هذه الرياح بهذه العشوائية العنيفة المدمرة؟ من يستطيع مشاهدة كل المسارات وكل المحطات وكل المتغيرات؟ من يستطيع أن يستشرف المستقبل القريب فما بالنا بالبعيد ؟
يبدا أننا نعيش مرحلة لا نستطيع أن نرى أبعد من تحت أقدامنا ومستقبلنا يمر دقيقة بدقيقة، في هذه الأجواء الغائمة شديدة الضباب ووسط هذه الرياح العاصفة والأمواج المتلاطمة والفيضانات والأعاصير التي اقتلعت كل الثوابت ماذا عسانا أن نفعل وماذا في مقدورنا أن نفعل ؟ في تقديري وبمنتهى التجرد أن العالم يمر بمرحلة «تغيير دماء» و«تبديل جينات» وليس فقط ما نراه من «تغيير جلد» فقط.
>>>
السؤال الذي أطرحه على النخبة المثقفة وكذلك المفكرين وأصحاب النظريات والأفكار المبتكرة هل نحن منتبهون لعمق وحدة وصرامة وقسوة التغيير الذي يشهده العالم على مستوياته السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية والفكرية ؟ هل نحن جاهزون لطرح رؤيتنا وسرديتنا وسط كل هذه المنمنمات العاصفة؟
والسؤال الأخطر والاهم والبسيط في نفس الوقت هل لدينا سرديتنا الخاصة وطرحنا المتكامل لنقدمه ونلقي به وسط الساحة التي يسيطر عليها « سحرة التكنولوجيا « و» أبناء الذكاء الاصطناعي « ؟ هل نحن جاهزون للنزال الفكري والثقافي الآن؟









