الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذى قام بثورة 23 يوليو 1952 المجيدة وعمره 34 عاماً، جعلنا نعيش عهود الانتصار لنجاحه فى تحويل مصر إلى دولة متطورة وقد ترعرعنا فى عز شبابنا فى مراحل الانتصار المتتالية، شاملاً: القضاء على الحكم الملكى والقضاء على الإقطاع، وتأميم قناة السويس، وجلاء آخر جندى إنجليزى عن الأراضى المصرية، وانتصار مصر «الدولة والشعب والمقاومة» فى حرب 1956، بالإضافة إلى الاهتمام بالعنصر البشرى المصري، والتعليم، والصحة، والتأهيل العلمى والفنى والتكنولوجي، وعودة التضامن العربى وتقويته وبناء السد العالي.
وللتاريخ كان هدف عبدالناصر إنشاء مصر المدنية ورفع شأن المواطن المصري، وحماية مصر والشعب المصرى اجتماعياً واقتصادياً خلال سنوات حكمه والسنوات التى تلتها وإذ اقتنع عبدالناصر بحتمية تربص قوى الاستعمار القديم وإسرائيل بالدول العربية عامة وبه خاصة، فقد ركز فى العمل على عدة اتجاهات داخلية وخارجية حيث عمل على استقطاب قوى الشعب العامل فى المجالين الزراعى والصناعى نحو الدولة، ورفع مستوى انتمائهم للأرض والوطن المصرى والعربي، والقضاء على البطالة نهائياً من خلال تنفيذ مشروعات صناعية عملاقة لا ينكرها أى إنسان.
كما اتجه نحو تنفيذ برنامج الإصلاح الزراعى وتحديد حد أقصى للملكية الزراعية، وبدأ فى تنفيذ مشروعات عملاقة لاستصلاح الأراضى الصحراوية وتطوير القرى الثمانى والعشرين بمناطق بنجر السكرغرب الطريق الصحراوي، ومشروع الوادى الجديد، وجذب المواطنين المعدمين من محافظات سوهاج وقنا وأسيوط للهجرة الداخلية إلى الوادى الجديد وإعادة تعميره.
واستمرت سنوات الانتصار فى عهد عبدالناصر من خلال إعادة تسليح القوات المسلحة بالأسلحة الشرقية المتطورة، وإنشاء الكلية الفنية العسكرية عام 1958 لتأهيل ضباط مهندسين فى مجالات علمية هندسية صناعية ذات علاقة بتكنولوجيات التسليح المتعددة.
وتعمقت مراحل الانتصار بالوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 بهدف عمل كماشة حول إسرائيل، وأدت الوحدة إلى نجاح عبدالناصر فى إفشال مخطط «دالاس» «وزير خارجية أمريكا فى ذلك الوقت» لإنشاء حلف بغداد بين العراق وتركيا وإيران.
وحدت محطات الانكسار وحدوث انفصال سوريا عن الوحدة مع مصر عام 1961 وبالرغم من تلك الانتكاسة تم الاستمرار فى مسيرة الانتصارات بدعم ثورة اليمن عام 1962، والتى كانت للحفاظ على وطنية اليمن وخروج المستعمر الإنجليزى من اليمن الجنوبية وعدن، وتأمين مياه البحر الأحمر وباب المندب بواسطة دولة عربية صديقة لمصر وهذا ما تحقق فعلاً فى حرب أكتوبر 1973.
وللتاريخ، يجب الحكم على انتصارات وانكسارات مصر فى عهد جمال عبدالناصر اعتماداً على حجم التحديات التى واجهت مصر وواجهته هو شخصياً كزعيم قوى مضاد للاستعمار القديم وإسرائيل حيث تحرك الزعيم جمال عبدالناصر فى اتجاه تحقيق الأمن القومى المصرى وتأمين حدودها من خلال التحرك الايجابى داخل إفريقيا ومساعدة الثورات الإفريقية، وجلاء المستعمر من عشرات الدول الإفريقية والعربية وتحويل هذه الدول إلى قوى مساندة للقضية الفلسطينية ومناهضة لإسرائيل والحد من تدخلها داخل القارة السمراء ونجحت مصر فى عهد عبدالناصر فى دعم تحرير الجزائر من الاستعمار، ثم تحرر العراق واليمن وليبيا من الأنظمة الرجعية والمستعمر الغربي.
ولذلك زاد أعداؤه بالخارج عبر تحركات ومؤمرات إسرائيلية ودولية غربية، وبالداخل من خلال الطبقات الرأسمالية الرجعية والذين تقاربوا مع تنظيم الإخوان الذين فشلوا فى السيطرة على ثورة 1952، واستمرت أعمالهم وبث سمومهم ضد عبدالناصر بالتعاون مع إسرائيل والمخابرات الأمريكية من خلال تواجدهم فى الخارج، والاساءة إلى عبدالناصر بشأن السماح للملاحة الإسرائيلية بالمرور فى مضيق تيران بخليج العقبة وما تلى ذلك من حرب 1967 والنكسة الكبري.
وحين حدث الانكسار الثانى للشعب المصرى وجمال عبدالناصر بعد انكسار الوحدة، ركز أعداء الشعب المصرى على النكسة فى إطار محاولتهم لبث عدم الثقة بين الشعوب العربية وزعمائهم، ومحاولتهم طمس الأعمال المجيدة والانتصارات التى تمت ومازال تأثيرها الإيجابى موجوداً حتى الآن ومازال يركز هؤلاء على الإخفاق فى حرب 1967، ونسوا وتناسوا بأن كل دول العالم واجهت طوال تاريخها حروباً ناجحة وأخرى فاشلة، فالخسارة فى معركة لا تعنى الفشل، ولكن الفشل الحقيقى هو قبول الهزيمة والاستكانة.
إن ما حدث بعد حرب 1967 هو العكس تماما، فلم يحدث فى التاريخ أن استطاعت دولة ونجحت فى إعادة بناء قواتها المسلحة من الصفر «خلال حرب الاستنزاف»، وتهيئة الشعب والدولة لدخول معركة أخرى للتغلب على نتائج النكسة السلبية، وإعادة الروح الوطنية لأهالى الوطن بل وكل الأوطان العربية، وهذا ما تحقق فى حرب 6 أكتوبر 1973 بمجهودات وتخطيط عبدالناصر، والقيادة التاريخية للسادات، وبسالة الشعب والجيش المصرى والشعوب والقادة العرب كلهم.
والحق يقال، إن تاريخ عبدالناصر القومى والوطنى لا يختزل فقط فى نتائج حرب 1967 السلبية وسوف يذكر التاريخ أن وضع مصر الداخلى الصناعي، والزراعي، والبشري، والتعليمي، والإنتاجي، والصناعات الحربية، ودور مصر فى تعليم شعوب الدول العربية والإفريقية، ودور الأزهر الشريف مع كل الدول الإسلامية، كانت ومازالت هى الركيزة الأساسية والتمهيد الحقيقى لانتصارات حرب أكتوبر 1973.









