لستُ أعلم أيَّ جرأة تلك التي يملكها البعض ليخرج متحدثًا بالتحليل السياسي – على الفضائيات – لحدث يمس الأمن القومي لبلاده دون أن يتوافر لديه الحد الأدنى من المعلومات المحيطة بما جرى.
والغريب في الأمر أن «المحلل السياسي» أصبح يقوم بدور «المراسل الميداني» الذي يروي ما حدث، وهذا يخرج عن ألف باء قواعد التحليل السياسي الذي يشرح ويحلل ويفسر ما وراء الحدث، لا أن يسرد الحدث ذاته.
أثق تمام الثقة في قدرة أجهزة الدولة ومؤسساتها المعنية على فك لغز ما تعرض له ميناء دمياط الذي تم استهدافه بمسيّرة يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، ولا مجال لاستباق نتائج التحقيقات الجارية.
إن ما حدث يكشف عن وجود مشكلة في التعامل الإعلامي مع خبر خطير كهذا، فقد تابعتُ بدقة ما تناوله المحللون السياسيون عبر العديد من الفضائيات التي استضافتهم للتعليق، ولم يخرج التحليل عن اتجاهين:
- الأول: من اتخذ موقف النفي المطلق للخبر الذي نشرته وكالة «رويترز» حول تعرض الميناء لهجوم بمسيّرة، وهو ما اعترف به مجلس الوزراء في اليوم التالي.
- الثاني: من حاول إمساك العصا من المنتصف – كالمعتاد – فلم يؤكد أو ينفِ ما حدث، ولكن اكتفى بالإشارة إلى سوابق تعرضت فيها بعض المدن الساحلية على خليج العقبة لاعتداءات بمسيّرات، وصلت على سبيل الخطأ، منذ أحداث أكتوبر 2023؛ بما يُفهم منه بشكل أو بآخر تأكيد ما بثته «رويترز».
منذ سنوات طويلة ونحن نقول إن العالم أصبح «قرية صغيرة»، واليوم يتجاوز الأمر هذا المفهوم لنصل إلى حقيقة أننا نعيش حالة من «الانفجار المعلوماتي» في كل مناحي الحياة. «الوفرة الخبرية» متاحّة عبر عدد لا حصر له من المنصات، وهذا أحد النتائج الطبيعية للثورة الصناعية الرابعة التي انطلقت بتدشين «مبادرة التحول الرقمي» في منتدى دافوس عام 2015 وتسعى إلى رقمنة الحياة الاجتماعية والاقتصادية على مستوى العالم من أجل تطويرها، وكان الإعلام في طليعة الأنشطة الإنسانية التي استفادت من التطورات التقنية المتلاحقة.
أخبار العالم أصبحت بين أصابع الجميع، ولم يعد الحجب أو ذكر أنصاف الحقائق أمرًا مجديًا. وإذا كان العمل الصحفي والتحليل السياسي بكل أشكاله يرتكز بشكل أساسي على «المصداقية»، حيث تعلو «الدقة» على «السبق» بلا منازع، فإن الاحتياج البشري للمعرفة «الفورية» حق أصيل لا يمكن التفريط فيه أو تأجيله.









