عندما نظر الإسكافى إلى إحدى لوحات الفنان الإيطالى «أبيليس» ووجد خللاً فى رسم نعل داخل إحدى اللوحات، بادر بجرأة إلى التعليق وتنبيه الرسام الكبير. وبتواضع شديد، تقبَّل الرسام الملاحظة، وقام بتعديل مقاسات النعل داخل اللوحة. لكن الإسكافى تمادى، واستمر فى انتقاد عناصر أخرى فى اللوحة، خارج نطاق تخصصه بوصفه إسكافياً. هنا انتفض الرسام أبيليس قائلًا: «أيها الإسكافي، لا تتجاوز حدود النعل».
تذكرت هذه القصة وأنا أتابع هؤلاء الذين يزايدون على الدولة المصرية، وينصبون أنفسهم أوصياء على القرار المصري، ويظن كل واحد منهم أنه خبير عليم، وهو فى الحقيقة لا يرى موضع قدمه.
فعلى خلفية حادث محاولة استهداف ميناء دمياط وبنيته التحتية الطاقوية، يمكننى أن أرصد ما يلي:
أولاً: نجحت السلطات المصرية فى إدارة الأزمة بمنتهى الاحترافية؛ إذ تم التركيز على إزالة آثار الحادث من خلال مدونة سلوك وخطط طوارئ طُبِّقت بمنتهى الدقة، لتتم إعادة تشغيل عمليات التداول خلال أقصر وقت ممكن. وانتقل الوزير المختص إلى موقع الحادث خلال دقائق، كما تم إصدار بيان رسمى يصف ما جرى بكل دقة: «وقع حريق، وجارٍ التعامل معه، وننتظر نتائج التحقيقات التى تجريها الجهات المختصة».
ثانيًا: قامت وكالات أنباء ومصادر بالإعلان أن الحادث نتج عن طائرة مُسيَّرة. وهنا بدأت عمليات التأويل غير المنضبط، وطرح الأسئلة فى غير مواضعها: هل هى مُسيَّرة؟ ومن أين أُطلقت؟ ولماذا مصر الآن؟ وما الرد المتوقع؟.
ثالثًا: التزم الإعلام المهنى بمتابعة الروايات الرسمية الواردة فى البيانات الرسمية، خاصة أن الحكومة أعلنت وقوع حريق، لكنها لم تستبق الأحداث، ولم تعلن السبب قبل انتهاء التحقيقات التى تجريها الجهات المعنية.
رابعًا: بسرعة البرق، وجدنا الأمة المصرية على قلب رجل واحد، دون مزايدات أو اجتهادات؛ فى حالة من الوعى الجمعى التى تتفجر عند الشعور بخطر يمس سيادة الدولة.
خامسًا: بدأنا نتابع، فور وقوع الحادث وقبل صدور أى بيانات رسمية، عمليات تسخين ممنهجة ومخططة، تستهدف جرجرة مصر إلى أتون حرب لا يعرف أحد متى تنتهى أو كيف تنتهي.
ومن المعلوم أن هناك أطرافًا عديدة تتمني، بل تدفع الأمور، فى اتجاه توريط مصر فى حرب مشتعلة، لتكون طرفًا فى الحرب بدلاً من أن تكون طرفًا فى التهدئة.
هذه الملاحظات تؤكد كذب بعض الروايات التى تتحدث عن تضارب الروايات الرسمية، أو التأخر فى إصدار البيانات. فالحكومة لم تتسرع، ولم تتورط فى استنتاج غير صحيح قبل التأكد من أسباب الحريق، وهذا يُحسب لها.
وبعد التأكد من أسباب الحادث، وأنه نتج عن طائرة مُسيَّرة دون طيار، أعلنت الحكومة ذلك بمنتهى الوضوح، ودون أى تأخير. إذن، البيان الأول وصف ما جري، والبيان الثانى شرح الأسباب.
إلى هنا نقف، وننتظر البيانات التالية. وهذه، فى تقديري، أمور ترتبط بالسياسة وتقديرات الموقف أكثر من ارتباطها بأمور فنية أو قانونية، مثلما جاءت البيانات السابقة. لذلك، لا يجب أن يستنتج الإعلام ما لا يصح استنتاجه، ولا يجب أن يربط ما لا يجوز ربطه.
الغريب والعجيب أن الطائرات المُسيَّرة والصواريخ تسقط على مدار الساعة فى أكثر من عشر دول، ولا يحدث ضجيج مثلما حدث فى مصر، بعد سقوط طائرة مُسيَّرة على الأراضى المصرية.
يا سادة، ما رأيكم فى قوة روسيا وجيشها، وهى الدولة النووية الأولي؟ كم طائرة مُسيَّرة تسقط فى قلب موسكو، وبالقرب من الأهداف الإستراتيجية؟
يا سادة، ما رأيكم فى قوة الجيش والأسطول الأمريكى الموجود فى المنطقة؟ كم طائرة مُسيَّرة وكم صاروخًا أصاب حاملات الطائرات العملاقة، وأوقع خسائر ضخمة فى صفوف القوات الأمريكية، ما زالت موضع جدل داخل الكونجرس؟
يا سادة، ما رأيكم فى قوة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، التى تعتبرها أمريكا حقل تجارب لأحدث المنظومات فى العالم؟ كم طائرة مُسيَّرة وكم صاروخًا سقط فى قلب تل أبيب؟
ناهيك عن إيران، ودول الخليج، واليمن، والعراق، وسوريا، والأردن، وأذربيجان، وذلك الصاروخ الإيرانى الذى سقط فى القاعدة البريطانية فى المحيط الهندي.
هل سمعتم بكل تلك الأحداث؟ وهل كانت ردود الأفعال لديهم، ولدى إعلامهم، مثلما حدث مع مصر.









