استطاعت هذه الزهرة الصغيرة المتسلقة، التى تنتج واحدة من أفضل وأشهر النكهات فى العالم، وهى الفانيليا، أن تصنع ما عجزت الجغرافيا والتاريخ عن صناعته.
مجموعة من الدول الجزرية، المختبئة خلف آلاف الكيلومترات من المياه الزرقاء وسط المحيط الهندي، راحت تبحث فيما بينها عن قاسم مشترك يجمعها، ويكون جسرًا للتواصل والاتصال. لم يكن ذلك القاسم هو العِرق، ولا الدين، ولا اللغة، ولا حتى التاريخ أو الجغرافيا.
أخيرًا، وبعد بحث وتمحيص، اكتشفت هذه الدول جسرًا يمكنها أن تعبر عليه جميعًا، لتصل إلى أحلامها فى إيجاد شيء ما تجتمع حوله، وتتوحّد من خلاله أمام العالم الذى يحوم حول جزرها بأطماعه، التى تحملها سفن ترفع أعلامًا إمبريالية لا تعرف إلا الاستغلال، حتى بعد الاستقلال.
كانت زهرة الفانيليا هى السر الذى اكتشفه قادة تلك الدول. ست جزر وسط مياه المحيط الهندي، هي: مدغشقر، وموريشيوس، وجزر القمر، وسيشل، ومايوت، وريونيون الفرنسيتان، أُطلق عليها اسم «جزر الفانيليا» (Vanilla Islands).
تنتج هذه الجزر معظم إنتاج العالم من الفانيليا، ولذلك سُمّيت بهذا الاسم. فالعالم اعتاد أن يصنع التكتلات والاتحادات على أساس المصالح السياسية أو العسكرية، بينما اجتمعت هذه الجزر حول زهرة الفانيليا؛ ذلك المنتج الزراعى البسيط الذى يحمل رائحة عطرة يعرفها كل سكان الكوكب، فتحوّل إلى هوية مشتركة وعلامة تجارية عالمية.
حدث هذا عندما قررت هذه الدول أن تتوقف عن التنافس، وتودّع الخلافات، وتبدأ العمل الجماعى المتكامل، فأطلقت تحالف «جزر الفانيليا»، ليصبح المستثمر أو المستورد أو السائح مدعوًّا إلى زيارة أكثر من جزيرة فى رحلة واحدة، بدلًا من الاكتفاء بوجهة واحدة.
تقدّم هذه التجربة درسًا مهمًّا: الدول الصغيرة تستطيع أن تصبح كبيرة عندما تتعاون، وأن الهوية الاقتصادية قد تكون، أحيانًا، أقوى من الحدود السياسية. كما أن المستقبل لا تبنيه الثروات الضخمة ولا الجيوش الجرارة فقط، وإنما الأفكار هى سر كل الإنجازات.
فهناك دول تملك ثروات ضخمة فى باطن أرضها، وأخرى لديها وفرة وتخمة مائية، وثالثة تمتلك قوة نووية، لكنها جميعًا فقيرة، وشعوبها تعانى أشد المعاناة. وفى المقابل، هناك دول لا تملك أى شيء سوى الأفكار العظيمة والإرادة الصلبة، والنتيجة ستكون دائمًا فى صالح أصحاب الهمة من حَمَلة الأفكار.
جلست أتبادل أطراف الحديث مع أحد المسئولين من إحدى دول جزر الفانيليا، وهى مدغشقر، التى تنتج وحدها أكثر من %80 من إنتاج العالم من الفانيليا، بما يعادل نحو 4500 طن سنويًّا، فقال لي: «لك أن تعلم أن ثمانية من كل عشرة قرون فانيليا طبيعية تُستخدم فى العالم، أُنتجت فى مدغشقر».
وأضاف أن شعوب جزر المحيط الهندى مدينة لهذه الزهرة العجيبة بالكثير؛ فهى مصدر الدخل الأساسى لكثير من الناس، وهى التى وحّدت المصالح وعمّقت التكامل، حتى أصبحت ثقافة الفانيليا هى السائدة، كما أن رائحتها الفوّاحة منتشرة فى كل أرجاء «جزر الفانيليا».
سرحت بخاطرى وأنا أستعيد ما قاله محدّثى حول «جسر الفانيليا» الذى وحّد أهدافهم ولغتهم وجغرافيتهم، وحزنت كل الحزن على حال أمتنا العربية، التى تجمعها لغة ودين وثقافة وتاريخ وجغرافيا، لكنها لم تستخدم أيًّا منها لعبور جسر الخلافات، مثلما عبرت شعوب جزر الفانيليا على زهرة الفانيليا.









