يجب ألا يكون هناك فجوة بين التشريع والواقع، وفلسفة القانون ترتكز على أن «القاعدة عامة ومجردة تُطبق على الجميع لمراعاة المصلحة العامة».. وعندما يصطدم القانون بالواقع الاجتماعى ويعمق مشاكله بدلا من حلها، نكون خرجنا عن الهدف!
وعلى مدار عقود، لم ينشب جدل مجتمعى فى مصر أعمق أوأشد تأثيراً من قوانين الأحوال الشخصية، لأنه يقتحم أساس المجتمع من جذوره.. فالقانون الذى يُفترض أن يكون الملاذ الآمن للأسرة ونقطة الاتزان بين أطرافها، تحول فى أعين الكثيرين إلى محرك أساسى وإضافى للصراع بعد تقاطع التشريعات القانونية مع الدواعى الإنسانية والضغوط الاقتصادية!!
وبين رغبة المشرع فى حماية الطرف الأضعف، وهو المرأة، كانت نتائج التطبيق – مع عوامل أخرى طبعا بمثابة إعصار يهدد أساس المجتمع، لذلك يثور السؤال: هل أدت التعديلات التشريعية المتعاقبة إلى استقرار البيت المصرى، أم ساهمت فى تصدعه؟
وبمناقشة بعض الجوانب تتضح عمق المشاكل:
> أولاً: مسكن الزوجية و«الشقة من حق الزوجة»، هنا تحول حق الحماية إلى ساحة صراع.. طبعاً الهدف الفلسفى من القانون فى هذه الزاوية حماية الأطفال والأم الحاضنة من التشريد عقب الانفصال، وضمان مأوى كريم للطفل كحق أصيل من حقوق الرعاية.. وعندما صيغت المواد القانونية المنظمة لتمكين الزوجة الحاضنة من مسكن الزوجية، كان المقصد الإنسانى جلياً، غير أن هذا النص السامى تحول تدريجياً فى أروقة الواقع والمحاكم إلى ورقة ضغط وسلاح فعال فى النزاعات الزوجية.. كيف؟
تحول مسكن الزوجية إلى هدف وغاية و أدى تمكين الحاضنة من المسكن طوال فترة الحضانة إلى افتعال الأزمات للوصول إلى الطلاق للاستحواذ على الشقة، وأصبح العقار محل نزاع كيدى بدلاً من أن يكون سكناً.
وإذا كان الهدف هو عدم تشريد الأطفال، لكن لم ينظر القانون للزوج الذى أفنى عمره للحصول على شقة وقد يكون مازال يدفع أقساطها شهرياً ليطرد فى الشارع، فى الوقت الذى تعيش فيها مطلقته بعد أن طلقها فى شقته بحجة حضانة الأولاد!!
ويجد الزوج المُطلّق نفسه مكلفاً بتوفير مسكن جديد لنفسه، وفى الوقت ذاته سداد نفقات المسكن الأول أو توفير بديل مناسب للحاضنة، مع النفقات ومصاريف المدارس والعلاج… إلخ، وهو عبء مالى يعجز عنه غالبية أبناء الطبقة المتوسطة، مما يدفع الأب إلى العجز المالى والاجتماعى، أو دخول السجن!!
وهنا يتطور الصراع إلى مشاجرات يومية تعصف بالسلام النفسى للأطفال فى المقدمة وبالحياة ذاتها والنتيجة التى نراها على الجانب الآخر هى العزوف عن الزواج بعد تخوف الشباب من خسارة «تحويشة العمر» فى حال حدوث أى خلاف والنتيجة تردد الشباب أو فرض شروط معقدة، مما غير الثقافة المجتمعية للزواج من «شراكة واستقرار» إلى «مخاطرة مالية وحقوقية».
وعلى جانب آخر دفع الصراع على الشقة المؤجرين للإحجام عن التأجير بعد أن وجد بعض المؤجرين أنفسهم فى مأزق تمكين المطلقة من شقة الزوجية «المؤجرة» بالقانون الجديد، ويواجه المؤجر والزوج أزمات معقدة للوصول إلى صيغة لإخلاء العين بعد انتهاء مدة العقد، حيث تصطدم أحكام التمكين بإنهاء العقود المدنية.
ومما يزيد الطين بلة أن بعض الزوجات قبل طلاقهن يحصلن على تمكين من النيابة من شقة الزوجية ولأن العلاقة قائمة يكون التمكين مزدوج للزوج والزوجة، وتخيلوا شكل الصراع بين طرفين قد يصل للقتل والضرب والجرح.. يعنى الخلافات الزوجية تطال عنان السماء ويصدر قرار تمكين الزوجين مُجتمعين من شغل مسكن الزوجية، وطبعاً يُنفذ هذا القرار بواسطة الشرطة، تخيلوا كيف ستكون العلاقة بين أربع جدران؟!
وإذا طلق الزوج زوجته يتحول التمكين المشترك لتمكين منفرد للزوجة، وهنا تتفاقم الأمور، نعم الفلسفة هنا هو الحفاظ على الأمان النفسى والاجتماعى للطفل، بحيث لا يتأثر مستواه المعيشى أو بيئته السكنية بنزاعات الأبوين.
لكن هل الواقع هكذا سيوفر هذا الأمان النفسى للأطفال، وكيف سيتعامل الزوج مع طليقته التى يشعر بأنها أخذت تحويشة العمر وتخرج له لسانها؟!
تخيلوا بعض الأزواج يحول شقته التى وضع فيها تحويشة العمر إلى أطلال حين يدرك أن طليقته ستنتزعها منه !
ورغم نبل المقصد القانونى، إلا أن التطبيق العملى أحدث خللاً كبيراً فى التوازن الاجتماعى عندما يجد الرجل نفسه فجأة خارج بيته الذى استثمر فيه كل مدخرات حياته، وبينما يتكبد مصاريف إضافية لاستئجار مسكن جديد لنفسه، بالإضافة إلى التزاماته المالية المتمثلة فى نفقات الصغار، وأجر الحضانة، ونفقة المتعة والعدة… إلخ.
ورغم وجود أوجه أخرى للقانون، وباستخدام الحيل القانونية يتم التمكين بحجة حضانة الأولاد، رغم تمتعها بمسكن لدى أسرتها، أو امتلاكها مسكناً آخر، مما يجعل استخدام الحق أقرب إلى النكاية والانتقام منه إلى الحاجة الحقيقية للسكن.









