أطاحت الدول الأعضاء بالمحكمة الجنائية الدولية بالمدعى العام للمحكمة «كريم خان» بناء على توصية من الهيئة الإدارية للمحكمة، على خلفية اتهامه بسلوكيات تتعارض مع مهام منصبه، ومنها اتهامه بإقامة علاقة جنسية مع موظفة حديثة التعيين بالمحكمة.
وكريم خان، فى الأصل، محام بريطاني، واسمه بالكامل كريم أسعد أحمد خان وقد تم ترشيحه عام 2021 لمنصب المدعى العام للمحكمة لفترة ولاية تمتد تسع سنوات، أى حتى عام 2030.
وهو المدعى العام الذى حقق فى الاتهامات الموجهة لرئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق «جالانت» بارتكاب جرائم حرب، وتحقق من صحة هذه الاتهامات، وأصدرت الهيئة القضائية للمحكمة بناء عليها مذكرتى «توقيف»، أى اعتقال للمتهمين الاثنين، وجهتها لحكومات الدول الأعضاء بالمحكمة لتنفيذها فى أى وقت يوجد أيهما على أراضيها أو يمر بأجوائها.
وقد كان هذا الإجراء غير المسبوق من أقوى الضربات التى يتلقاها رئيس وزراء لإسرائيل منذ قيامها، رغم أن قيام إسرائيل واستمرارها حتى الآن لم يكن سوى نتيجة لسلسلة من جرائم الحرب سبقتها وواصلت هى ارتكابها على مدى وجودها غير المشروع على الأراضى الفلسطينية والعربية، بحيث يمكن القول دون تجاوز، إن إسرائيل تمثل بذاتها جريمة حرب.
وبالطبع فإن جرائم الحرب التى حوسب عليها نتنياهو ووزير دفاعه السابق من جانب المحكمة، هى تلك التى ارتكبها فى غزة فى أعقاب حربه الوحشية التى شنها على القطاع رداً على انتفاضة الأقصى التى أشعلتها المقاومة الفلسطينية فى وجه الحصار الإسرائيلى للقطاع على مدى سنوات، واستمرار احتلاله للأراضى الفلسطينية.
وقد أزعجت مذكرتا الاعتقال إسرائيل ورئيس وزرائها ووزير دفاعها السابق، فقد فرضت على المتهمين ما يمكن وصفه مجازاً «بحظر تجول»، حيث قيدت حرية كل منهما فى الخروج من إسرائيل للسفر إلى الخارج قبل إجراء ترتيبات واتصالات مكثفة لإيجاد «ممرات آمنة» لعبور طائرته إلى الدول المضيفة له دون المرور بأجواء أى دولة من المائة وخمس وعشرين الأعضاء فى المحكمة تجنباً للاعتقال.
وعندما أراد نتنياهو السفر إلى أمريكا منذ شهور للقاء الرئيس ترامب، دعاه صديقه «أوربان» رئيس وزراء المجر السابق للمرور بالمجر والهبوط بها خلال الرحلة، مع أن المجر عضو بالمحكمة، ولم يستطع «أوربان» تحدى قرار المحكمة، فلجأ إلى إعلان تعليق عضوية بلاده بها حتى يمرر الرحلة، فكان مرور نتنياهو «نحساً» عليه، إذ أطاح به الناخبون المجريون فى الانتخابات التى أجريت عقب الواقعة بعدة أسابيع وفقد منصبه، كما فقد حزبه اليمينى أغلبيته البرلمانية.
ولأن أمريكا هى حامية إسرائيل ومظلتها الأمنية وداعمة كل جرائمها فى فلسطين والمنطقة العربية طيلة وجودها، فقد انتفضت كالعادة للرد على قرار المحكمة بفرض عقوبات على هيئتها القضائية، وعلى المدعى العام «كريم خان»، والبحث فى سجلاته عن أى اتهام لتحريكه ضده والإطاحة به.
وهو سلوك دائم لأمريكا فى مواجهة كل من يمس إسرائيل..فعلت ذلك مع «ألبانيز» مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الدولية فى الأراضى الفلسطينية، ومع «لازاريني» مدير وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين، وكادت تلغى وجود الوكالة ذاتها، ومع جنوب أفريقيا وزعيمها عقاباً على تقدمهما بالدعوى القضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتهام إسرائيل بجريمة «الإبادة الجماعية» للسكان الفلسطينيين فى قطاع غزة.
والمهم أن أمريكا وإسرائيل اعترفتا هذا الأسبوع بأنهما وراء الإطاحة بالمدعى العام للجنائية الدولية وأنهما خططتا لعقد «اجتماع طارئ» للجمعية العمومية للدول الأعضاء ـ رغم أن الدولتين ليستا عضوين بالمحكمة أصلاً ـ وحشدتا أكبر عدد من هذه الدول لحضور الاجتماع للتصويت على قرار الإطاحة، وأن يكون التصويت فى هذه الجلسة «سرياً» حتى لا تتسرب أسماء الدول التى أيدت الإطاحة.
وعقب نجاح المخطط الأمريكى الإسرائيلى صدرت من كل من الدولتين تصريحات ترحب بالقرار، وتدين مذكرتى اعتقال نتنياهو ووزير دفاعه السابق، وأنهما بنيتا على اتهامات ملفقة ولا بد من إلغائهما.
وتشير تقارير دولية عديدة إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تكون بداية لعملية «تفكيك» المحكمة ذاتها التى أنشئت عام 2002 ودفن نظامها، وهو ما يؤكد حقيقة أنه «لا يخاف من العدالة إلا المجرمون».
هنا نصل إلى السؤال:
أين نحن العرب، دولاً وشعوباً، وجامعة عربية من هذا المخطط الذى يسلبنا كل يوم سلاحاً من أسلحة كشف جرائم العدو ضدنا، ومحاسبته عن هذه الجرائم، والعبث بمؤسسات العدالة الدولية والسعى للإطاحة برؤوسها حين تقف إلى جانبنا عندما يكون الحق معنا؟!
إن المؤكد أن الحشد الأمريكى الإسرائيلى لاجتماع الجمعة الماضية الذى أطاح بالمدعى العام للجنائية الدولية لم يتم بليل، ولا بين عشية وضحاها، وإنما بدأ منذ صدور مذكرتى الاعتقال أى منذ شهور عديدة، ولم يكن سراً، كما أن هدفه لم يكن خافياً.
ورغم أنه لا يمكن اختزال الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطينى فى مذكرة اعتقال لقيادتين إسرائيليتين، إلا أن هذا يمثل رمزاً دفع الشعب الفلسطينى فيه وفى غيره ما يزيد على مائتى ألف شهيد ومصاب، حتى يتحقق لأول مرة ولو حد أدنى من عقاب دولى للمجرمين وإسقاط الحصانة عنهم.
إننا، فى هذه الواقعة تحديداً مقصرون لغياب أى دور مؤثر فى مساندة العدالة الدولية.. لكن المعركة لم تنته بعد، بل لعلها بدأت. ونحن أمام عدة فرص لا ينبغى إضاعتها.
فالإطاحة بالمدعى العام للمحكمة لا تُسقط تلقائياً مذكرتى الاعتقال، لأنهما صادرتان عن الهيئة القضائية للمحكمة بكامل أعضائها وبالتالى لن تسقطا إلا بقرار منها.. وسوف تجاهد أمريكا وإسرائيل للحشد من جديد لتحقيق هذا الهدف ويجب أن يكون هناك دور عربى فى هذه المرحلة.
ومنصب المدعى العام الذى أصبح شاغراً الآن، سيحتاج فى فترة قريبة إلى شغله بمدعى عام جديد، وهذه فرصة أخري.
ولا يجب أن نترك الساحة خالية.. ثم نهرول كل يوم لدعوة المجتمع الدولى لمساندة قضايانا وحقوقنا لأن المجتمع الدولى لا يرانا إلا بحجم ما نقدمه من جهد ذاتى حماية لأنفسنا، ولأن «الكفيل» الأجنبى للعالم العربى منحاز لعدونا.
أمريكا وإسرائيل تريدان عالماً عربياً منزوع السلاح تماماً، ليس فقط سلاح القوة العسكرية بل اى سلاح مادى أو معنوى يقر بعدالة القضية الفلسطينية فهذه هى الحالة الوحيدة فى رأيهما لضمان أمن إسرائيل.









