ثورة يوليو التى نحتفل هذه الأيام بذكراها الرابعة والسبعين كانت من أكبر الأحداث المفصلية فى تاريخ مصر الحديث، وحملت -ككل الثورات- إنجازات كبيرة وأخطاء جسيمة.
وهو ما يطرح جملة أسئلة: هل يجوز أن نختزل ثورة بحجم الثالث والعشرين من يوليو 1952 فى أخطائها فننكر إنجازاتها؟ وهل يجوز، فى المقابل، أن نرفعها فوق النقد وكأنها معصومة من الزلل؟ ولماذا تحولت ثورة يوليو، بعد عقود طويلة، من حدث تاريخى يستحق الدراسة إلى ساحة خصومة سياسية، يكتب عنها البعض بعاطفة المؤيد، ويهاجمها آخرون بعاطفة الخصم، حتى غاب ميزان الإنصاف الذى أمرنا الله به: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي»؟
إن التاريخ لا يكتب بالحب ولا بالكراهية، وإنما بالحقائق. وثورة يوليو، كغيرها من الثورات الكبري، لها ما لها وعليها ما عليها، وإنصافها لا يكون بطمس أخطائها، كما لا يكون بجحد ما أحدثته من تحولات غيرت وجه مصر والمنطقة العربية وألهمت شعوبًا كانت ترزح تحت نير الاستعمار.
لقد جاءت الثورة فى لحظة كانت فيها مصر تعانى احتلالاً بريطانيًا، وإقطاعًا واسع النفوذ، وفوارق اجتماعية حادة، وحياة حزبية فقدت كثيرًا من ثقة الناس، وفى هذا السياق يمكن فهم حجم التأييد الشعبى الذى حظيت به حركة الضباط الأحرار، وما تبعها من قرارات غيّرت بنية المجتمع المصري.
يحسب للثورة أنها أنهت النظام الملكي، وأجلت آخر جندى بريطانى عن الأراضى المصرية باتفاقية الجلاء عام 1954، وأعادت توزيع الملكية الزراعية عبر قانون الإصلاح الزراعي، ووسعت نطاق التعليم المجاني، وأسست قاعدة صناعية واسعة، وأقامت السد العالى الذى ظل أحد أكبر مشروعات القرن العشرين، وأممت قناة السويس، وساندت حركات التحرر فى إفريقيا وآسيا، وأسهمت مع قادة دول أخرى فى تأسيس حركة عدم الانحياز، حتى غدت القاهرة قبلة لحركات التحرر الوطنى فى العالم.
كما أسهمت الثورة فى إعادة تشكيل مفهوم العدالة الاجتماعية، وفتحت أبواب التعليم والعمل أمام شرائح واسعة لم تكن تحلم بذلك من قبل، وهو ما أحدث حراكًا اجتماعيًا غير مسبوق فى تاريخ مصر الحديث.
لكن الوجه الآخر للصورة لا يجوز إغفاله. فمن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن الثورة ارتكبت أخطاء اعترف ببعضها عدد من رجالها أنفسهم، وكان من أبرزها تأجيل بناء الحياة الديمقراطية، وحل الأحزاب.
كانت أزمة مارس 1954 واحدة من أهم المنعطفات فى تاريخ الثورة. ففيها ظهر الخلاف داخل مجلس قيادة الثورة بين فريق رأي، وفى مقدمته اللواء محمد نجيب مدعومًا بخالد محيى الدين ويوسف صديق، ضرورة العودة السريعة إلى الحياة الدستورية وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة، وبين فريق آخر قاده جمال عبدالناصر، ورأى أن أهداف الثورة لم تكتمل بعد، وأن المرحلة الانتقالية يجب أن تستمر حتى تُنجز مهامها الكبري.
انتهى الصراع بانتصار رؤية عبد الناصر، وإبعاد محمد نجيب عن السلطة وفرض الإقامة الجبرية عليه، بينما ابتعد يوسف صديق عن المشهد، رغم أنه كان من أبرز من أنقذ نجاح الثورة ليلة قيامها عندما تحرك مبكرًا للسيطرة على مقر القيادة العامة للجيش، وهو التحرك الذى حال دون انهيار العملية كلها فى ساعاتها الأولي.
لعل هذه الأزمة كانت بداية افتراق طرق رفاق يوليو، حتى صدق فيهم قول من قال إن الثورات كثيرًا ما تأكل أبناءها. فقد غادر بعضهم المشهد مبكرًا، وأُقصى آخرون، ثم تعاقبت النهايات المأساوية لكثير من رجال الثورة؛ فتوفى جمال وصلاح سالم، وابتعد عبداللطيف البغدادى وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم عن مواقع القرار، وانتهت حياة المشير عبد الحكيم عامر فى ظروف لاتزال مثار جدل تاريخي، ثم رحل جمال عبدالناصر عام 1970 بعد ستة عشر عامًا فى سدة الحكم.
مع وصول الرئيس أنور السادات بدأت مرحلة سياسية مختلفة، غلب عليها الابتعاد عن كثير من سياسات يوليو، وأُخرج معظم رجالها من دائرة التأثير، قبل أن يطوى عصراً بكامله، ويبقى الجدل حوله مفتوحًا حتى يومنا هذا.
ومن المؤسف أن هذا الجدل كثيرًا ما فقد موضوعيته. فهناك من جعل من يوليو أصل كل أزمات مصر، وكأن البلاد لم تعرف إنجازًا واحدًا منذ قيامها، وهناك من تعامل معها باعتبارها تجربة كاملة لا يرقى إليها النقد. وكلا الموقفين يجافى الحقيقة؛ لأن التاريخ لا يعرف الأبيض الناصع ولا الأسود الخالص.
إن ثورة يوليو ليست مقدسة حتى تُحصَّن من النقد، وليست مدانة حتى تُمحى من الذاكرة. إنها تجربة إنسانية وسياسية كبري، نجحت فى ملفات، وأخفقت فى أخري، وأثرت فى حاضر مصر ومستقبلها بصورة لا يمكن إنكارها.
واليوم، بعد مرور أكثر من سبعة عقود، لم نعد بحاجة إلى محاكمات سياسية بقدر حاجتنا إلى كتابة علمية موثقة، تستند إلى الوثائق والشهادات المتعددة، بعيدًا عن تصفية الحسابات أو صناعة الأساطير. فالأمم الكبيرة لا تخاف من تاريخها، بل تراجعه بعين ناقدة وعقل منصف، فتتعلم من نجاحاته كما تتعلم من إخفاقاته.
لقد علمتنا يوليو أن العدالة الاجتماعية ضرورة، وأن الاستقلال الوطنى لا يُشتري، وعلمتنا كذلك أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا فى ظل مؤسسات قوية، وحياة دستورية مستقرة، وتداول سلمى للسلطة، واحترام للرأى الآخر. فالدولة القوية ليست تلك التى تنتصر فى معركة واحدة، وإنما التى تنجح فى بناء نظام سياسى قادر على تصحيح أخطائه بنفسه.
يبقى الدرس الأهم أن الأوطان لا تُبنى بالحنين إلى الماضي، ولا بجلد التاريخ، وإنما بقراءته قراءة واعية، تنصف الرجال، وتعترف بالأخطاء، وتحفظ الإنجازات. فالتاريخ ليس سلاحًا فى يد الخصوم، بل مرآة ترى فيها الأمم نفسها لتعرف كيف تتقدم.









