لم يكن ما أثار الدهشة في ظهيرة التاسع والعشرين من يناير عام 2011 أن يظهر صوت محمد مرسي فجأة على الهواء مباشرة عبر شاشة الجزيرة، بينما كانت مصر تعيش واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا، بل كان السؤال الذي ظل يطارد تلك اللحظة: كيف جرت تلك المكالمة؟
داخل دولةٍ تعطلت فيها شبكات الاتصال، ظهر مرسي متحدثًا بثقة، وكأن شبكةً أخرى كانت تعمل خارج كل ما يعرفه المصريون، مصيغاً تكييفاً قانونياً استباقياً لوضعه؛ ليؤكد أنه ليس هارباً ، بل شاهداً على انهيار الحراسة في السجون!!
ثم بدأت الروايات تتوالى؛ عن هاتف «ثريا» يعمل عبر الأقمار الصناعية، وعن رجل مجهول ظهر في الصحراء ليسلمه الجهاز دون سواه، ثم اختفى، تاركًا خلفه أسئلة أكبر من الهاتف .
قد يختلف الناس في بعض تفاصيل الرواية، لكنهم لا يختلفون في دلالتها السياسية؛ فالإخواني الذي سيجلس بعد أقل من عام ونصف على مقعد الرئاسة، بدا منذ تلك اللحظة وكأنه يتحرك داخل منظومة موازية، لها وسائل اتصالها، وقنواتها، وآلياتها، بعيدًا عن مؤسسات الدولة.
ولعل المفكر الفرنسي موريس دوفرجيه
(Maurice Duverger 1917 – 2014 )
كان من أكثر علماء السياسة قدرةً على تفسير هذه الظاهرة؛ حين ميّز بين نوعين من السلطة: السلطة الرسمية (Formal Power) التي يمنحها الدستور، والسلطة الفعلية (Real Power) التي تمارس القرار الحقيقي من خلف الستار.
وقد امتلك مرسي الأولى ؛ لكنه لم يمتلك الثانية يومًا.
حيث بقي القرار الحقيقي خارج أسوار القصر الجمهوري؛ يُصاغ في اجتماعات مكتب الإرشاد، ويصل إلى مؤسسة الرئاسة للتوقيع.
لم يكن رئيسًا بالمعنى الذي تعرفه الدول، بقدر ما كان قطعة احتياطية استُدعيت عندما تعطل المشروع الأصلي لخيرت الشاطر، ثم وُضعت في مقدمة المشهد لتبدوا وكأنها تقود دولةً لم تكن تملك حق قيادتها، و تقرير مصيرها.
اعتراف علني بالانتماء «القطبي»
الرؤساء تصنعهم الأفكار قبل أن تصنعهم صناديق الاقتراع، وتوجههم المرجعيات التي استقرت في عقولهم قبل أن توجههم نصوص الدساتير.
ولذلك، لم يكن السؤال الأهم حول مرسي: ماذا فعل بعد أن أصبح رئيسًا؟ بل: أيُّ عالم فكري حمله معه إلى القصر الجمهوري؟
الإجابة جاءت من مرسي نفسه، ففي لقاء تلفزيوني مسجل، تحدث بوضوح عن علاقته بأفكار سيد قطب قائلاً، إنه عندما قرأ كتاباته، عاش فيها حتى أصبحت جزءًا من تكوينه الفكري، ووجد فيها ــ بحسب تعبيره ــ “الإسلام الشامل“!!
قد تبدو العبارة مجرد إشادة بمفكر «إسلامي»، لكنها في علم السياسة ليست كذلك.
فسيد قطب كان صاحب مشروع تدميري ، حيث أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والدين، عبر مفاهيم مثل “الحاكمية” و”الجاهلية” و”المفاصلة الشعورية”.
وهنا تظهر أولى مفارقات تجربة مرسي ، فالإخواني الذي أقسم على احترام الدستور ، كان يحمل في داخله مرجعية فكرية ترى أن الشرعية الحقيقية للمعالم القطبية ، وأن المجتمع يُقاس بمدى انصياعه للتصور الأيديولوجي الذي تتبناه جماعته الإرهابية !!
ازدواجية الولاء
في النظم الديمقراطية، يفترض أن يمثل القسم الدستوري لحظة ميلاد جديدة للحاكم، فبمجرد أن يضع يده على الدستور، تنتهي جميع الولاءات السابقة؛ فلا يعود ممثلًا لحزب، ولا لتنظيم، ولا لتيار، وإنما يصبح ممثلًا للدولة كلها.
لكن جماعة الإخوان قامت، منذ تأسيسها، على رابطة أخرى تسبق كل الروابط، هي البيعة للمرشد !
والبيعة الإخوانية التزام أيدولوجي يقوم على السمع والطاعة العمياء لقيادة الجماعة في المنشط والمكره، ومن هنا وجد مرسي نفسه أمام معادلة لم ولن يعرفها أي رئيس مصري آخر .
فعلى جانب، هناك قسم دستوري يلزمه بأن يكون رئيسًا لكل المصريين.
وعلى الجانب الآخر، بيعة تنظيمية تربطه بقيادة جماعة نشأ داخلها لعشرات السنين، وصعد عبر هياكلها، وكان السؤال الذي لم يجد المصريون له إجابة طوال عام كامل: لمن كانت الأولوية عند تعارض المصلحتين؟
للأسف، جاءت الوقائع العملية لتجيب ، فكثير من القرارات المفصلية التي اتخذتها رئاسة مرسي بدت منسجمة مع أولويات مشروع التمكين الإخواني لا مع مقتضيات الدولة.
ولذلك، لم يكن الحديث المتكرر عن تأثير خيرت الشاطر مجرد جدل إعلامي، بل انعكاسًا لصورة ترسخت، مؤداها أن مرسي لا يصنع القرار بل يمرره عبر مؤسسة الرئاسة!!
«أخونة الدولة»
الأنظمة المؤدلجة التى تسعى للبقاء طويلًا تدرك أن السيطرة على القرار لا تكفى، ما لم تُسبق بالسيطرة على من ينفذه .
ولهذا، لم يكن مصطلح “التمكين” فى أدبيات الإخوان مجرد شعار دعوى ، بل مشروعًا إداريًا كاملًا، يقوم على نقل مركز الثقل داخل الدولة من الكفاءة إلى الولاء، ومن المؤسسة إلى التنظيم.
ولم يكن مرسى مهندس هذا المشروع، لكنه كان أول رئيس للجمهورية يمتلك الأدوات الدستورية لتنفيذه.
ومنذ الأيام الأولى، بدأ المصريون يلاحظون تغيرًا فى فلسفة التعيينات داخل أجهزة الدولة.
- لم يعد السؤال المطروح: من هو الأكفأ؟
- بل أصبح السؤال: من هو الأقرب للجماعة؟
ولم تعد الخبرة بطاقة العبور إلى المناصب، بل أصبحت الثقة التنظيمية هى العملة الأكثر تداولًا.
كانت الوزارات، والمحافظات، والهيئات، والشركات العامة، والمجالس القومية، تُعامل وكأنها أجزاء من هيكل تنظيمى كبير، يجب إعادة تشكيله حتى يصبح متناغمًا مع مشروع الجماعة .
وكانت هذه أخطر رسالة يمكن أن تصل إلى جهاز إدارى عمره الفعلي آلاف السنين ، وهكذا ، بدأ يدخل حالة من الشلل الصامت .
الإعلان الدستورى المُكبل
هناك لحظات فى تاريخ الدول يقاس أثرها بما أحدثته من شرخ فى مفهوم الدولة ، وكان ذلك الإعلان الدستوري الدكتاتوري الصادر في 22 نوفمبر 2012 إحدى تلك اللحظات.
فقد نص على تحصين قرارات مرسي من الطعن أمام القضاء، ومنحه سلطات استثنائية ، كما وفر حماية للجمعية التأسيسية ومجلس الشورى من الحل القضائى.
ولم يكن الخطر فى نصوص الإعلان وحدها، وإنما فى الرسالة التى حملها.
فالرسالة كانت تقول إن الإرادة السياسية للإخوان المتأسلمين تستطيع ــ متى شاءت ــ أن تعلو على الضمانات الدستورية التى تحمى المجتمع.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ العد التنازلى الحقيقى لنهاية حكم «استبن» الإخوان.
أحداث “الاتحادية”.. وشرعنة العنف السياسي
الدولة، حين تواجه احتجاجًا سياسيًا، تستدعي مؤسساتها الدستورية؛ الشرطة، والقضاء، والقانون، بوصفها أدوات شرعية لإدارة الخلاف، أما الجماعة، فإنها تستدعي الميلشيات .
وهنا تحديدًا بدأت واحدة من أخطر لحظات الانكشاف في تجربة مرسي.
ففي الخامس من ديسمبر عام 2012، احتشد آلاف المتظاهرين أمام قصر الاتحادية اعتراضًا على الإعلان الدستوري، ولم يكن المشهد، في بدايته، مختلفًا عن عشرات الاحتجاجات التي عرفتها مصر بعد يناير.
لكن ما حدث بعد ذلك بدا تحولًا في فلسفة إدارة الدولة .
حيث تدفقت حشود من عناصر جماعة الإخوان إلى محيط الاتحادية، وتحولت المواجهة السياسية إلى اشتباكات دامية، شهدت أعمال احتجاز واعتداء على مواطنين، ووثقتها لاحقًا شهادات وتحقيقات وأحكام قضائية في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”أحداث الاتحادية” .
لقد بدا للمرة الأولى أن مؤسسة الرئاسة لم تعد تعتمد على مؤسسات الجمهورية، بل على التنظيم الذي جاءت منه.
وهذا هو الفارق الذي يصنعه رجل الدولة ورجل الجماعة.
ولم يكن مرسي هو من أمسك بكل تفاصيل ما جرى على الأرض، لكن مسؤوليته السياسية والأخلاقية كانت قائمة؛ حيث بدت السلطة الرسمية عاجزة عن التحرر من منطق التنظيم الميلشياوي .
عزلة «الرئاسة»
لغة رئاسة مرسي كانت تميل تدريجيًا إلى تقسيم المجال العام بين “أنصار الشرعية” و”خصوم الشرعية”، حتى بدا وكأن الوطن قد انقسم إلى معسكرين متصارعين .
لم يعد الخلاف السياسي يُدار باعتباره اختلافًا مشروعًا داخل الدولة، بل تحول، في كثير من الخطابات والمنصات الداعمة للإخوان، إلى معركة بين معسكر يمثل “الإسلام”، وآخر يُصوَّر بوصفه خصمًا لــــ ” الدين”.
وهنا ظهرت واحدة من أخطر نتائج تسييس الدين.
فحين يُقدَّم الخلاف السياسي في ثوب ديني، يصبح الخصم السياسي خصمًا للعقيدة، وقد ساهمت بعض الفعاليات والخطابات التي جرت في تلك الفترة ، ومنها مؤتمر “نصرة سوريا” ، في تعميق حالة الاستقطاب، وإثارة مخاوف واسعة من تداخل القرار الرئاسي مع خطاب التعبئة الإخوانية ، وهكذا، أخذت عزلة الرئاسة تتسع.
الخيانة الأمنية
فى تاريخ الدول، قد تُغتفر الأخطاء الاقتصادية، وقد تُراجع القرارات السياسية، بل وقد تُبدَّل الدساتير نفسها، لكن هناك خطًا أحمر واحدًا إذا تم تجاوزه، لم تعد المشكلة أزمة إدارة، وإنما أصبحت أزمة وجودية .
ذلك الخط الأحمر هو الأمن القومى.
فالدولة تستطيع أن تتحمل رئيسًا ضعيفًا، أو حكومة مرتبكة، لكنها لا تستطيع أن تتحمل رئيسًا تصبح فى عهده أسرارها السيادية عرضة للتداول خارج المؤسسات التى أنشئت لحمايتها.
لقد كشفت التحقيقات والأحكام القضائية فى القضية المعروفة إعلاميًا بقضية “التخابر “عن شبكة معقدة ، انتهت بإدانة عدد من المتهمين فى وقائع تتعلق بالاستيلاء على وثائق وتقارير بالغة السرية صادرة عن أجهزة سيادية مصرية .
ولم تكن خطورة القضية فى حجم الوثائق فقط ، بل فى المكان الذى خرجت منه.
فلقد خرجت من مؤسسة الرئاسة نفسها.
ومنذ تأسيس الجمهورية، يُنظر إلى مؤسسة الرئاسة باعتبارها أكثر مؤسسات الدولة انضباطاً .
لكن ما كشفته التحقيقات كان مختلفًا تمامًا ، فبحسب ما استقر فى أوراق الدعوى القضائية ، لم تُعامل تلك الوثائق باعتبارها أسرارًا سيادية، بل باعتبارها أوراقًا يمكن تداولها ونقلها عبر أفراد لا ينتمون إلى المنظومة الأمنية للدولة، قبل أن تصل فى النهاية إلى وسائل إعلام وجهات خارجية.
وهنا تتجاوز القضية حدود القانون الجنائي ، لأنها تكشف أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الدولة عند الجماعة .
رجل الدولة يدرك أن الوثيقة السرية أمانةٌ للدولة وأجيالها.
أما رجل التنظيم، فينظر إليها باعتبارها موردًا يخدم مشروعًا يظنه أكبر من الدولة ووثائقها السرية .
حين فقدت الرئاسة هيبتها
الخطاب الرئاسي ليس مجرد كلمات تُلقى أمام الكاميرات، وإنما هو أحد أدوات الحكم الأساسية؛ به تُبنى الثقة، وتُدار الأزمات، ويشعر المواطن أن الدولة ما زالت تمسك بزمام الأمور حتى فى أصعب اللحظات.
ولهذا، كانت الأمم تدرس خطابات ونستون تشرشل، وفرانكلين روزفلت، وشارل ديجول، وجمال عبد الناصر ، لأنها لم تكن مجرد بلاغة، وإنما ممارسة للقيادة.
أما فى تجربة مرسى، فقد بدا المشهد مختلفًا تمامًا.
فلم تستطع رئاسة مرسي طوال عام كامل أن تبنى خطابًا يليق برئاسة دولة بحجم مصر.
كانت الكلمات تخرج مرتجلة، متعثرة، تقفز من موضوع إلى آخر، وتنتقل من العام إلى الخاص، ومن السياسة إلى التفاصيل الشخصية، حتى فقد الخطاب الرئاسى أهم خصائصه: الهيبة والاتزان والقدرة على الإقناع.
لم يكن المصريون ينتظرون من رئيسهم أن يكون خطيبًا مفوهًا ، بل يشعرون بأن من يتحدث إليهم يدرك ثقل المنصب وهيبته .
غير أن كثيرًا من خطابات مرسي الرئاسية تحولت إلى مادة للسخرية فى الداخل، وعلامات استفهام فى الخارج ، لأن فلسفة لغة الرئاسة نفسها كانت تبدو أسيرة لعقلية التنظيم والأهل والعشيرة ،و كانت كثير من الرسائل تُصاغ وكأنها موجهة إلى القواعد الإخوانية .
ولعل عبارات مثل “الأصابع التى تلعب فى مصر”، و الإشارات المتكررة إلى «المتآمرين»، أو الدخول فى سجالات مع مواطنين عاديين، وفضيحة مؤتمر سد النهضة ، جميعها كشفت أن مؤسسة الرئاسة في أيام مرسي بدأت تفقد المسافة النفسية التى يجب أن تفصل رئيس الدولة عن الجدل اليومى الشعبوي .
وفى تاريخ الدول، خطابات تُطفئ الحرائق ، و خطابات تشعلها ، وفى مساء الثانى من يوليو 2013، وقف مرسى ليلقى آخر خطاب له وهو رئيس للجمهورية.
كان الشارع قد وصل إلى ذروة الغضب، وكانت مؤسسات الدولة تواجه واحدة من أخطر أزماتها .
وكان ملايين المصريين ينتظرون كلمة يمكن أن تفتح بابًا للحل، أو تقدم مبادرة، أو تُخفض منسوب الاحتقان الذى بلغ مستويات غير مسبوقة.
لكن خطاب مرسي سار فى اتجاه آخر.
فقد تكررت كلمة ” الشرعية ” عشرات المرات، حتى بدا وكأن الأزمة كلها قد اختُزلت فى بقاء شخص داخل القصر .
ثم جاءت الجملة التى ستبقى واحدة من أكثر العبارات إثارة للجدل فى التاريخ السياسى المصرى الحديث:
«الشرعية ثمنها حياتى… وإذا كان ثمن الحفاظ على الشرعية دمى فأنا مستعد».
قد تبدو العبارة لأول وهلة تعبيرًا عن تمسك رئيس بمنصبه، لكن القراءة السياسية المتأنية تكشف دلالة أخطر.
فمرسي لم يعد يتحدث عن الدولة، ولا عن المجتمع ، ولا عن مخرج للأزمة ، بل أصبح يتحدث عن معادلة واحدة:
إما استمرار السلطة.. أو استمرار الحياة.
وهنا وقع الانفصال الكامل بين الرئاسة والواقع ، فرجل الدولة، عندما يرى وطنه يقف على حافة الانقسام، يبحث عن تسوية.
أما رجل التنظيم، فإنه يرى أن التراجع يعنى سقوط المشروع كله ، وهكذا بدأت الإحداث الإرهابية في مصر !!
حين بدت الرئاسة كـ«مكتب بريد»
حين كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber 1864 – 1920 )
عن البيروقراطية الحديثة، اعتبر أن جوهر الدولة يكمن في أن تصدر القرارات من المؤسسات الدستورية ، وأن تخضع التعيينات لقواعد الكفاءة، لا لعلاقات الولاء.
لكن ما شهدته مصر خلال حكم الإخوان كشف عن نموذج مغاير تمامًا.
فالرئاسة، فى كل الملفات ، لم تكن تبدو مركزًا لصناعة القرار، بقدر ما كانت محطة أخيرة لاعتماد قرارات صيغت فى مكان آخر.
ولذلك، لم يكن السؤال الذى تردد كثيرًا داخل الأوساط السياسية آنذاك: ماذا يريد الرئيس؟
بل:
ماذا يريد مكتب الإرشاد؟
كانت الأحاديث عن الاجتماعات المغلقة فى المقطم، وعن القوائم التى تُراجع هناك بمعرفة مذيعين يعملون في فضائيات خارجية، وعن الأسماء التى تُطرح ثم تُرفع إلى الرئاسة، تتكرر بصورة جعلت الرأى العام يقتنع تدريجيًا بأن قصر الاتحادية لم يعد مصدر القرار، وهكذا، تحولت مؤسسة الرئاسة من عقل يقود الدولة، إلى يد توقع باسمها على ما يخطط له التنظيم الدولي!!
التعيينات الوزارية المفخخة
إذا أرادت جماعة سياسية أن تترك بصمتها على الدولة، فإن الطريق الأقصر لذلك هو مجلس الوزراء.
فالوزير يدير سياسات، وموازنات، وموارد بشرية، ومؤسسات تمتد آثارها إلى ملايين المواطنين.
ولهذا، لم تكن التعيينات الوزارية التى وقع عليها مرسى مجرد تغيير فى أسماء الوزراء ، بل كانت انعكاسًا واضحًا لفلسفة الحكم الإخواني.
ومع كل تعديل، كانت أسماء جديدة تعبر أكثر عن مخطط الجماعة، حتى بدا وكأن الحكومة تتحول تدريجيًا من حكومة جمهورية مصر العربية إلى حكومة مشروع التمكين الإخوانية.
وكان تعيين محمد على بشر، عضو مكتب الإرشاد – على سبيل المثال – وزيرًا للتنمية المحلية، أحد أبرز الأمثلة الفجة التى أثارت جدلًا واسعًا ، فوزارة التنمية المحلية ليست وزارة خدمية عادية ، إنها الوزارة التى تشرف على المحافظات ، أى على أحد أهم مفاصل الدولة المصرية.
ولم تكن المشكلة فى الانتماء الأيدولجي وحده ، بل كانت فى الشعور المتزايد بأن معيار الاختيار لم يعد يقوم على الخبرة، وإنما على الثقة التنظيمية، وكان هذا كافيًا لإثارة مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع ، فعندما يصبح التنظيم هو بوابة الصعود، تبدأ الكفاءة فى التراجع، والثقة العامة فى التآكل.
حركة محافظي يونيو 2013
كانت حركة المحافظين في يونيو 2013 واحدةً من أكثر اللحظات كشفًا لطبيعة المشروع الإخواني.
فقبل أقل من أسبوعين فقط من ثورة الثلاثين من يونيو، مضت السلطة الإخوانية في إصدار حركة واسعة شملت تعيين سبعة عشر محافظًا جديدًا، في خطوة قرأها قطاع واسع من المصريين بوصفها رسالة واضحة: ” الجماعة تُسرِّع خطوات التمكين وتتعامل مع الدولة باعتبارها واقعًا استقر لها، لا سلطةً تواجه أزمة شرعية متفاقمة”.
وكان التوقيت أكثر خطورة من القرار نفسه ، فالشارع كان يغلى ، وحركة “تمرد” جمعت بالفعل ملايين التوقيعات ، ودعوات التظاهر فى الثلاثين من يونيو تتسع كل يوم.
ومع ذلك، اختارت السلطة الإخوانية بعنادها الجاهل ، أن تمضى فى أكبر حركة تعيينات ذات طابع تنظيمي منذ وصولها إلى الحكم.
صدمة الأقصر
كان تعيين عادل الخياط ، هو أكثر ما شكل صدمة للمجتمع قبل أيام من اندلاع ثورة 30 يونيو.
فقد عُين محافظًا للأقصر، بينما كان قياديًا فى حزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، المرتبطة تاريخيًا بأحداث العنف فى التسعينيات، ومن بينها مذبحة الأقصر عام 1997 التى قُتل فيها عشرات السائحين والمصريين.
ورغم أن المسؤولية القانونية لا تُنسب بالضرورة إلى كل من ينتمى إلى حزب أو تيار، ولكن المسؤولية السياسية كانت متحققة بالقطع، لذا فإن وقع التعيين كان صادمًا للرأى العام ،لاسيما فى مدينة ما زالت تحتفظ بذاكرة أليمة لتلك المذبحة ، فاندلعت الاحتجاجات، ورفضت القوى الشعبية فى الأقصر محافظ مرسي الجديد.
وتحولت الأقصر ( طيبة ) إلى رمز لرفض مشروع التمكين كله ، وفى النهاية، لم يجد المحافظ المعين سوى الاستقالة غير مأسوف عليه!
لكن الضرر كان قد وقع ، لأن الرسالة وصلت بالفعل إلى المصريين بهذا التعيين ، وهنا بلغ مشروع “الاستبن” ذروة انفصاله عن الواقع.
حين أصبحت الثقافة هدفًا للتمكين
إذا كانت الوزارات السيادية تحمى حدود الدولة ومقدراتها ، فإن وزارة الثقافة تحمى حدود الوعى.
ولهذا، فإن الجماعات الأيديولوجية لا تبدأ مشروعها بالسيطرة على السياسة وحدها، بل تحاول دائمًا إعادة تشكيل العقل الذى ينتج السياسة ، فإعادة كتابة الوعى أخطر من إعادة تشكيل الحكومة.
لأن الحكومة قد تتغير بقرار أو بعد انتخابات ، أما الوعى، فإذا تبدل، احتاجت الأمم أجيالًا كاملة كى تستعيده ، ولم تكن جماعة الإخوان بعيدة عن هذا الفهم .
فقد أدركت أن مصر لا تشبه المجتمعات التى يمكن إعادة هندستها بسهولة؛ لأنها تمتلك أحد أقدم التراكمات الحضارية فى التاريخ الإنسانى، ولأن قوتها الناعمة ظلت، لقرون طويلة، إحدى أهم أدوات تأثيرها فى محيطها العربى والإفريقى والعالمي .
ولذلك، لم يكن قرار تعيين علاء عبد العزيز وزيرًا للثقافة فى مايو 2013 مجرد تعديل وزارى، بل قرأه قطاع واسع من المثقفين باعتباره إعلانًا عن بدء مرحلة جديدة من مشروع “التمكين”، تستهدف هذه المرة العقل المصرى.
فالثقافة، فى نظر الدولة الوطنية، هى المؤسسة التى تحمى الذاكرة الجمعية، وتحافظ على الهوية، و على التنوع الفكرى الذى تميزت به مصر عبر تاريخها.
أما فى نظر التنظيم العقائدى، فإن الثقافة تتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج الإنسان الذى يخدم المشروع الإرهابي ، ومن هنا، لم يعد الصراع على الوزارة صراعًا على منصب ، بل على روح مصر.
لم تكن مأساة مرسي أنه خسر الرئاسة، بل إنه عجز عقلياً ونفسياً وأخلاقياً عن مغادرة شرنقة التنظيم الضيقة ليحل في فضاء الدولة الرحب؛ لقد نُقل جسده إلى الإتحادية، لكن عقله ظل مرتهناً لظلال مكتب الإرشاد، والرئاسة منصب لا يعترف إلا بالوفاء المطلق لتراب الوطن.
ومنذ اللبنة الأولى التي وضعها مدرس الخط حسن البنا وصولاً إلى تراجيديا السقوط، ظهر المشروع الإخواني ككيان طفيلي في جوهره ؛ لا يبتغي بناء دولة تتسع لأحلام مواطنيها ، بل يتلمس جغرافيا وطنية يختبئ في أحشائها، مستهدفاً صياغة سلطة استعلائية ترى الوطن مجرد وسيلة عابرة، والجماعة هي الغاية الأسمى.
غير أن حقائق التاريخ، أثبتت أن الدولة المصرية قد تصاب بالوهن، وقد تنام قليلاً في أروقة التراجع ، لكنها تملك غريزة فطرية تأبى التعايش مع أي ولاء موازٍ ينازعها تفرد السيادة.
والتنظيمات التي طلبت من قواعدها أن يعتنقوا “الجماعة كوطن بديل”، انتهت بضمور حتمي؛ فلا هي حافظت على تماسكها ، ولا هي نالت دفء الوطن .
أما مصر، فلم يكن صمودها مجرد انتصار ، بل تجلياً لوفائها لفكرتها الحضارية والأزلية: أن تبقى شامخة، وهذا هو الدستور اللامرئي الذي يمنح مصر صك الخلود في ذاكرة الزمن.









