تباطؤ للنمو وارتفاع لمعدلات التضخم وتهديد للصناعة
خريطة المواجهة تشمل الطاقة البديلة.. والغاز الطبيعى خط الدفاع الأول
مها الشيخ: اضطرابات مضيق هرمز تهدد سلاسل الإمداد وتمتد للمستهلك
ياسر شحاتة: إعادة هيكلة الإنفاق ودعم الإنتاج يحصنان الاقتصاد من تقلبات الطاقة
التغيرات المفاجئة فى أسعار النفط صعودًا أو هبوطًا لها تأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمى، وهو ما يسمى بصدمات سعر النفط، ومن أهم أسبابها التوترات والأحداث الجيوسياسية والتى قد تحدث فى مناطق انتاج البترول أو تتأثر بها الممرات البحرية مثل مضيق هرمز، باعتباره أهم ممر لنقل الطاقة فى العالم. وقد شهدت أسعار النفط خلال الأيام الماضية ارتفاعات قياسية على خلفية التصعيد العسكرى بين ايران وأمريكا، واستخدام مضيق هرمز كأداة ضاغطة فى الحرب، حتى سجل سعر برميل النفط لخام برنت ارتفاعًا قياسيًا متجاوزًا 100 دولار ، ولم يستقر السعر طويلًا عند هذا المستوى حتى تراجعت الأسعار عند مستوى 90 دولارًا خلال تعاملات الأثنين، وذلك على خلفية بوادر تهدئة غير مؤكدة بين أمريكا وايران.
وفى ظل هذه التقلبات وتصاعد الأحداث غير المتوقعة، يعد فهم أبعاد التأثيرات السلبية، لارتفاع أسعار النفط، ضرورة هامة فى تحديد الحلول والتعامل مع التحديات، وفى هذا الإطار أوضح خبراء الاقتصاد أن ارتفاع اسعار النفظ له تأثيرات سلبية متمثلة فى زيادة تكاليف الانتاج، وتراجع الاستثمارات، وتزايد حالة عدم اليقين، ويشهد الاقتصاد العالمى تباطؤ كبيرا، مع زيادة معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، مشددين على ضرورة وضع خطة متكاملة للحد من تلك التأثيرات.
قال الدكتور محمد راشد أستاذ الاقتصاد إن ارتفاع أسعار النفط العالمية يمثل ضغوطًا متزايدة على الصناعة والاقتصاد العالمى والمصري، لافتا إلى أن أسعار النفط هى أحد أهم المؤشرات المؤثرة فى مسار الاقتصاد العالمى فهو عصب النشاط الاقتصادى ومصدرًا رئيسيًا للطاقة المستخدمة فى الصناعة والنقل والخدمات وبالتالى فإن أى ارتفاع ملحوظ فى أسعاره ينعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على تكاليف الإنتاج ومستويات التضخم، ومعدلات النمو الاقتصادى بما يجعل الأسواق العالمية أكثر عرضة لحالة من عدم اليقين خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.
وأوضح أنه على المستوى العالمى يؤدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف تشغيل المصانع خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة والبتروكيماويات والألومنيوم. كما ترتفع تكاليف النقل البحرى والبرى والجوى وهو ما يرفع أسعار المواد الخام والسلع الوسيطة والمنتجات النهائية ويؤدى إلى موجات تضخمية تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
وتابع أن التداعيات لا تتوقف عند ارتفاع الأسعار بل تمتد إلى تباطؤ النشاط الاقتصادى حيث تتراجع القدرة الشرائية للأفراد نتيجة زيادة الإنفاق على الوقود والطاقة بينما تواجه الشركات ارتفاعًا فى تكاليف التشغيل وانخفاضًا فى هوامش الربحية الأمر الذى قد يدفعها إلى تأجيل خطط التوسع والاستثمار أو تقليص الإنتاج والعمالة. كما تضطر البنوك المركزية فى العديد من الدول إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة أو رفعها للحد من التضخم وهو ما يزيد تكلفة التمويل ويؤثر سلبًا على الاستثمار والإنتاج.
وقال: ارتفاع أسعار النفط العالمية يكتسب أهمية فى مصر، حيث إننا نستورد جانبًا من احتياجاتتا من المنتجات البترولية، رغم التقدم الكبير الذى تحقق فى قطاع الطاقة خلال السنوات الأخيرة. فكل زيادة فى الأسعار العالمية ترفع تكلفة توفير الوقود محليًا وتزيد من أعباء الموازنة العامة سواء من خلال تكلفة الاستيراد أو دعم بعض المنتجات والخدمات المرتبطة بالطاقة.
وأضاف أن الصناعة المصرية تتأثر بصورة مباشرة بارتفاع أسعار الوقود والطاقة حيث ترتفع تكلفة تشغيل المصانع والنقل الداخلى والخارجى وهو ما يزيد تكلفة الإنتاج ويؤثر على القدرة التنافسية للمنتجات المصرية فى الأسواق المحلية والخارجية، خاصة فى القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. كذلك ترتفع تكلفة نقل الخامات والسلع بين المحافظات مما ينعكس على أسعار العديد من المنتجات الغذائية والصناعية.
وأكد أنه رغم هذه التحديات تمتلك مصر عددًا من الأدوات التى تساعدها على الحد من آثار تقلبات أسعار النفط العالمية فى مقدمتها التوسع فى إنتاج الغاز الطبيعى وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتعميق التصنيع المحلى لتقليل الاعتماد على الواردات فضلاً عن تطبيق آليات أكثر مرونة فى تسعير المنتجات البترولية بما يحد من الضغوط على الموازنة العامة.
وتابع أن الاستثمارات فى مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر فرصة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى وخفض تكلفة الطاقة على المدى الطويل وتعزيز قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة الصدمات الخارجية المرتبطة بأسعار النفط.
أوضحت الدكتورة مها الشيخ أستاذ سلاسل التوريد والدعم اللوجستى أن ارتفاع أسعار النفط يشكل صدمة فى العرض تمتد آثارها لتشمل قطاعات اقتصادية متعددة، مشيرة إلى أن ما تمثلة الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، يضاعف من الصدمة، لافتة إلى أنه فى عام 2024، مرّ عبر المضيق ما يقارب من 20 مليون برميل من النفط يومياً، أى ما يعادل نحو 20 ٪ من الاستهلاك العالمى للسوائل البترولية وأكثر من ربع تجارة النفط البحرية العالمية.
وتابعت أن انتقال هذه الآثار يبدأ بارتفاع تكاليف الوقود والطاقة، ثم يمتد ليشمل النقل والتأمين والتخزين والإنتاج، موضحة أن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما فيها البتروكيماويات والأسمدة والمعادن ومواد البناء، تواجه أكبر الضغوط. فتتأثر الصناعات الغذائية أيضًا بارتفاع تكاليف النقل والتبريد والتعبئة والتغليف والمدخلات الزراعية، لافته إلى أنه وفقًا للبنك الدولي، من المتوقع أن ترتفع أسعار السلع الأساسية عمومًا بنحو 16 ٪، مدفوعةً بشكل رئيسى بارتفاع أسعار الطاقة.
وأضافت أن التوترات الجيوسياسية تؤدى إلى زيادة أقساط التأمين البحرى وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، فضلاً عن تكاليف الشحن والانتظار، وتقليل عدد السفن الراغبة فى العمل فى المناطق عالية المخاطر مشيرة إلى أن الارتفاعات المستمرة فى تكاليف الشحن، الناجمة عن اضطرابات الطرق البحرية، يمكن أن تنتقل عبر سلاسل التوريد إلى أسعار المستهلكين والنشاط الاقتصادي.
وأكدت أنه مع استمرار صدمة الأسعار، هناك عواقب سلبية. منها تراجع حجم الاستثمار ورفع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، وتراجع الطلب، وتُعطل سلاسل التوريد، وزيادة التضخم، كذلك تعطيل التيسير النقدى وتشديد الأوضاع المالية، مشيرة إلى أن الدول المستوردة للنفط تتحمل العبء الأكبر من خلال ارتفاع فواتير الاستيراد، واتساع العجز التجاري، والضغط على العملات الوطنية، وتفاقم الضغط على المالية العامة، لا سيما عندما يتزامن ارتفاع أسعار النفط مع انخفاض قيمة العملة وارتفاع تكاليف التمويل. قد تستفيد الاقتصادات المصدرة للنفط من زيادة الإيرادات، لكن هذه المكاسب ليست مضمونة، إذ يمكن أن تُقابل بأضرار فى البنية التحتية، أو اضطرابات فى الصادرات، أو انخفاض فى الطلب العالمى والنمو الاقتصادي.
وأكدت أن صدمة أسعار النفط لا تقتصر على أسواق الطاقة، بل تمتد من سعر البرميل إلى تكلفة الرحلة، ومن ثم إلى المصانع والمزارع ومتاجر التجزئة. مشيرة إلى أن المرونة الاقتصادية لا يقتصر قياسها بالقدرة على منع كل اضطراب، بل بالقدرة على منع هذا الاضطراب من التفاقم إلى أزمة أوسع نطاقًا فى الإنتاج والتضخم والتباطؤ الاقتصادي.
أكد الدكتور ياسر شحاتة أستاذ إدارة الموارد والتنمية المستدامة، أن صدمات أسعار النفط له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، وتتأثر به اقتصادات الدول المستوردة للنفط، موضحا ان أسعار النفط شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الأيام الماضية، أربكت الكثير من الدول حتى دفعت البعض لاتخاذ قرارات عاجلة واستباقية للتعامل مع هذه الازمة، لافتا إلى أن سنغافورة على سبيل المثال أعلنت عن تشديد سياستها النقدية فى خطوة استباقية لمواجهة موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط، باعتبار سنغافورة دولة تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، ما يجعل اقتصادها أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية.
أوضح أن النفط من أهم مصادر الطاقة فى العالم، واى ارتفاع فى أسعاره تنعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية، وخصوصا قطاع الصناعة والنقل، والتجارة، مشيرا إلى أن معظم المصانع تعتمد على النفط ومشتقاته مما يؤدى إلى زيادة تكلفة الانتاج وارتفاع معدلات التضخم. مشيرا إلى أن مصر تعتمد على استيراد جزء من احتياجتها من المواد البترولية، الأمر الذى يؤدى إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد، كذلك تتحمل الدولة أعباء مالية أكبر نتيجة دعم الوقود وتوفير احتياجات السوق، مما يمثل ضغطا على الموازنة العامة وارتفاع تكاليف المصانع، مما يؤثر سلبا على قدرة المصانع التنافسية محليا وعالميا.
وأشار إلى أن الاستعداد للتعامل مع هذه التحديات يبدأ بضرورة التوسع فى الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي، ودعم الصناعات، وترشيد استهلاك الطاقة، وإعادة هيكلة الموازنة واتباع سياسة مالية مرنة مشجعة للانتاج والاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق من خلال تحديد أولويات الانفاق وزيادة الايرادات.
قال الدكتور عبدالنبى عبدالمطلب، الخبير الاقتصادي، إن عدم استقرار أسعار النفط يمثل أحد أكبر التحديات أمام الاقتصاد العالمي، باعتبار النفط والغاز المصدر الرئيسى للطاقة فى القطاع الصناعي، إلى جانب دخولهما كمدخل إنتاج أساسى فى صناعات مهمة، مثل الأسمدة، التى ترتبط بشكل مباشر بالإنتاج الزراعي.
وأوضح أن أسعار النفط شهدت خلال الفترة الماضية قفزات كبيرة، حيث ارتفعت من أقل من 75 دولارًا للبرميل إلى أكثر من 100 دولار، ووصلت فى بعض الفترات إلى نحو 117 دولارًا، وهو ما أحدث اضطرابًا فى الأسواق العالمية، خاصة بعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
وأشار إلى أن هذه الزيادات المفاجئة تسببت فى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ومدخلات الإنتاج، فضلاً عن اضطراب سلاسل الإمداد، ما دفع العديد من المصانع الصغيرة حول العالم إلى الخروج من السوق بعد عجزها عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، مؤكدًا أن استمرار تقلبات الأسعار يفرض ضغوطًا كبيرة على الصناعة العالمية، خاصة فى أوروبا وعدد من دول آسيا وأفريقيا.
وأضاف أن الصناعة المصرية ليست بعيدة عن هذه التطورات، إذ انعكس ارتفاع أسعار الوقود على تكاليف النقل والطاقة، سواء فى نقل المواد الخام أو المنتجات النهائية، ما أدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج وارتفاع أسعار السلع الصناعية، إلى جانب تراجع القدرة التنافسية للصادرات المصرية فى الأسواق الخارجية.
وأوضح أن المصانع، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تواجه تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والتزاماتها المالية، وهو ما يهدد باستمرار خروج بعض المنشآت من السوق إذا استمرت الأوضاع الحالية.
ودعا عبدالمطلب الحكومة إلى مساندة القطاع الصناعى عبر توفير تمويل ميسر للمصانع، وتحمل جزء من تكلفة الغاز والوقود بصورة مؤقتة حتى تستقر الأسواق العالمية، بما يساعد على استمرار الإنتاج، والحفاظ على تنافسية الصناعة المصرية، والحد من الضغوط التى تواجهها المصانع.









