يوما بعد يوم يبرز لنا فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، كنموذجٍ فريدٍ فى حمل رسالة الإسلام بسلوكه قبل قوله، فأخلاقه كانت مرآةً صافيةً عكست جمال هذا الدين، دون حاجةٍ إلى وعظٍ أو خطابٍ مباشر. ومن منا ينسى تلك الواقعة التى رواها فضيلته بنفسه عن رحلته العلمية إلى فرنسا فى السبعينيات من القرن الماضى، ليست مجرد قصةٍ عابرةٍ فى مسيرته، بل هى درسٌ خالدٌ فى كيف يكون المرء داعيةً بحاله قبل مقاله، ومؤثراً بفعله قبل لفظه. لقد سافر الشيخ أحمد الطيب إلى قلب العاصمة الفرنسية، باريس، لاستكمال دراسته العليا فى جامعة السوربون، حاملاً معه همّةَ العلم وشغفَ المعرفة، لكنه كان يحمل أيضاً إرثاً عظيماً من التربية الإسلامية الراسخة، التى تجلت فى كل تفصيلةٍ من تفاصيل إقامته فى الحى اللاتينى. جيرانه فى السكن كانوا أسرةً يهوديةً فرنسية، بدأت العلاقة بينهم بالتعارف، ثم تطورت إلى مجالسةٍ وتبادلٍ للزيارات، فى أجواءٍ من الاحترام المتبادل والأخلاق الفاضلة. وهنا تكمن المفاجأة التى هزّت وجدان الإمام الطيب نفسه، فقد فوجئ بعد عودته إلى مصر بأن هذه الأسرة قد لحقت به بعد شهرين، معلنةً إسلامها على يديه! ولم يكن الشيخ قد نطق بكلمةٍ واحدةٍ فى الدعوة المباشرة، بل كان كل ما فعله هو التزامه بواجبات دينه كاملةً، وأداؤه لحق الضيافة والأمانة على أكمل وجهٍ، دون أن يفرض رأياً أو يلقى موعظةً. إنها الدعوة بالحال التى غفل عنها الكثيرون، تلك التى تخترق القلوب بلطفٍ وتزرع فيها بذور الهداية دون ضجيج. تذكرت تلك الواقعة وأنا اتابع أحاديث الإمام الأكبر أوائل الثانوية الازهرية وأسرهم وهو يبلغهم النتيجة ويهنئهم على التفوق، فهناك موقفان يفصل بينهما عامان، جسّد فيهما فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، تواضع العلماء وبساطة التواصل مع الطلاب المتفوقين؛ ففى عام 2024 بدأ مكالمته بالطالبة الفلسطينية رؤى أبو داير قائلاً: «أنا عمك الشيخ أحمد الطيب»، بينما فوجئت والدة الطالبة مروة محمود، الأولى على الجمهورية بقسم الدمج فى الثانوية الأزهرية هذا العام بهوية المتصل بعد أن هنأها بتفوق ابنتها، لتسأله: «حضرتك مين؟»، فيجيبها بكل تواضع: اسمى «أحمد الطيب وأعمل شيخ الأزهر».. موقفان إنسانيان يؤكدان دعم الإمام الأكبر للمتفوقين وتقديره لأسرهم، بعيدًا عن الألقاب والمناصب.. وتجسدت إنسانية فضيلة الإمام الأكبر متعه الله بموفور الصحة والعافية خلال اتصاله بطالبة أسمها «سما « ليبارك لها على تفوقها وتحقيقها المركز الأول على القسم الأدبى بمجموع 99.15 ٪، حيث ردت والدتها على التليفون وبعدما بارك لها نجاح ابنتها، الأم بشكل طبيعى وعفوى جدآ قالت له معلش يا فضيلة الإمام، ممكن تشوفلى نتيجة سلمى؟ دى أختها التوأم، وهى فى القسم العلمى، كان يمكنه بكل بساطة أن يقول لها «الوقت ميسمحش هخليهم يكلموكى تانى» زى أى مسئول أو ينهى المكالمة بشكل لطيف، خصوصًا إنه كان ينتظره مكالمات كثيرة.. لكنه بقلبه التقى والطيب قدر قلب الأم، وعلم إنها لن تكتمل فرحتها دون الاطمئنان على ابنتها الثانية، وبالفعل طلب إحضار نتيجة سلمى، وانتظر، ولم ينه المكالمة، وعندما علم إنها نجحت بـ 96 ٪ علمى، بلغها بنفسه وقال مبروك كل الكليات مفتوحة قدامها ، علشان الفرحة تبقى فرحتين فى بيت واحد !! . الأجمل أنه سأل عن الأب تقديرًا لمكانته وقيمته فى البيت ووسط أسرته، وعندما علم بعدم وجوده قال بكل تواضع «طيب سلميلى عليه وقوليله فلان «أحمد الطيب» بيسلم عليك» لم يقل «شيخ الأزهر بيسلم عليك»، أو الإمام الأكبر بيسلم عليك مع إن مكانته المرموقة معروفة فى العالم الإسلامى كله ليس مصر فقط ، لكنه اختار التواضع قبل أى شيء.. بصراحة كانت هناك أكثر من لفتة جميلة وطيبة جدًا من فضيلة الإمام الأكبر، طيب السيرة والمسيرة ربنا يحفظه ويجزيه كل خير، وهذه هى أخلاق أولياء الله الصالحين المستمدة من أخلاق الأنبياء التى يجب علينا جميعا التحلى بها والاقتداء بأصحابها.









