«لم يبق فى ذاكرتى إلا القليل عن سنوات طفولتى المبكرة، خلال السنين الثمانية الأولى من عمري، وهى السنين التى يسمونها الآن بالسنين التى تتشكل فيها الشخصية».. قبل أن نتوجه للفصل الأخير فى كتاب الاعترافات لجولدا مائيير وجدت أنه من المهم بل غاية فى الأهمية قبل أن تنتهى حياة رئيسة وزراء الكيان مع اعترافاتها فى فصل «النهايو» كما عنونته هي، أنه من المهم أن نتعرف على بدايات السنين الأولى فى نشأة وحياة هذه المرأة التى تتلمذت على يد أعتى صقور الكيان «ديفيد بن جوريون» وعاصرت حربى «يونيه 1967» و»أكتوبر 1973»، من هذه المرأة؟ وكيف كانت طفولتها؟ هل هادئة؟ أم هائجة؟ كيف رسمت طفولتها ملامح هذه السيدة التى إعتلت أعلى مناصب الكيان؟
هى تقول فى السطر الأول من الفقرة الأولى من الفصل الأول من كتاب اعترافاتها والذى عنونته بـ «طفولتي» أنها لم تكن سنواتها الأولى سعيدة!! بل هى تقر بأن تلك السنوات الثمانية هى التى شكلت ملامح شخصيتها التى عاشتها وتعايشت معها وبها، على الرغم من قسوتها ومرارتها وحزنها الشديد فى تلك البدايات، فتعترف: «فإن من المؤسف أننى لا أحتفظ بأى ذكريات سعيدة أو سارة عن تلك الفترة».. هى آذن امرأة عانت طفولتها من بأس شديد، حتى علقت تلك المعاناة بعقود حياتها السبعة!.
«وعلقت فى ذهنى خلال الأعوام السبعين التى عشتها ذكريات تتصل بالمصاعب التى عانت منها عائلتي».. فلم تكن اعترافاتها قاصرة على حياتها وحدها بل وشملت أيضا عائلتها وهى أيضا من أهم العوامل التى أسهمت فى تشكيل شخصية جولدا، تلك العائلة التى عانت من الفقر والجوع بل والبرد فكانت عائلة، فقيرة معدمة، فلا تنعم بطعام غير أنه ـ إن وجد ـ فكان لسد المق والرهق، وكذلك كان المأوى متواضع لحد سيطرة قسوة البرد على سكن تلك العائلة، فلم يستر عورة أو يحصن من صقيع.
«ذكريات تتصل بالمصاعب التى عانت منها عائلتى بالفقر، بالبرودة، بالجوع، بالخوف».. لكن هذه المرأة ـ جولدا ـ لم تعترف بفقر وجوع وخوف عابر أو موسمي، بل هى انتقت التعبير الدقيق لشعورها الدائم بالخوف، فتقول: «ولعل أبرز ما علق بذاكرتى هو أننى خائفة». لكن لك أيها القاريء العربى والغربي، أن تتخيل طفلة فى الثالثة والنصف من عمرها تمسك بيد طفلة تصغرها بسنتين من أطفال جيران أسرتها تختبيء بها خلف ألواح خشبية تستتر من حد السلاح الأبيض المشهور بحثا عن هذه العائلة اليهودية التى قتلت المسيح لينتقموا من أفرادها، ما هذا الرعب الذى شكل بدايات هذه الشخصية؟ وكيف صاغ قراراتها فى الكبر؟.. هى تعترف: «كنت فى الثالثة والنصف من عمرى أو الرابعة، وكنا نعيش فى الطابق الأول فى منزل فى كييف».. انتظر قبل استكمال اعتراف جولدا عن أهوال طفولتها، وهنا أتذكر «القبيلة الثالثة عشرة» هو كتاب صدر عام 1976 من تأليف آرثر كوستلر يدافع عن فرضية الخزر للأصل الأشكنازي، وهى الأطروحة القائلة إن اليهود الأشكناز لا ينحدرون من الإسرائيليين التاريخيين فى العصور القديمة، ولكن من الخزر.. وتاريخيا وجغرافيا مملكة الخزر كانت تقع فى محيط «كييف» عاصمة أوكرانيا فيما بعد.. وتلك ملاحظة استوقفتنى عندما اعترفت الطفلة جولدا بميلادها مع عائلتها فى «كييف».
وهذا الكتاب «القبيلة الثالثة عشرة» لكاتبه يهودى الديانة آرثر كوستلر، والذى حاول فيه إثبات أن اليهود المعاصرين الذين يدعون الانتماء أصلاً إلى فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا منها فى فترة ما قبل الميلاد، وإنما ينتمى هؤلاء إلى إمبراطورية الخزر التترية التى قامت بين بحر قزوين والبحر الأسود.









