تحوّل التراث الإذاعى والتلفزيونى للدولة المصرية إلى ميراثٍ مفتّت ومبعثر، وكانت الأصوات تعلو منادية بضرورة الحفاظ على هذه الكنوز التاريخية من الإهمال والسرقة والضياع. وكانت هناك محاولات جادة، لكنها لم تكتمل، إذ كانت تتحطم جميعها لأسباب تبدو مادية، فى ظل ضعف الإمكانات لدى ماسبيرو، الذى يعاني، شأنه شأن كل المؤسسات الإعلامية، من أزمات تمويلية.
لكن الحقيقة كانت تكمن فى ضرورة توافر الإرادة السياسية لتحويل هذا الحلم إلى واقع. وقد درس الرئيس السيسى المشكلة، ورسم الحلول من خلال البدائل الفنية، وأصدر توجيهاته إلى جميع مؤسسات الدولة بسرعة إنجاز وإتمام عملية إنقاذ التراث المصري، الذى يمثل البنية التحتية للقوة الناعمة المصرية.
تحركت جميع المؤسسات المعنية، من خلال الهيئة الوطنية للإعلام والشركات المتعاقدة معها، للمضى قدمًا فى هذا المشروع العظيم. جهدٌ خارق، وتكلفةٌ كبيرة، ونتائجُ مبهرة.
أمس، كان هناك مؤتمر صحفى فى الهيئة الوطنية للإعلام، بحضور جميع أطراف العملية الإعلامية وكافة المؤسسات المعنية، وتم خلاله عرض المشروع منذ أن كان فكرة، إلى أن تحول إلى حقيقة ماثلة أمامنا.
إنها عملية إنقاذ حقيقية، تشبه عملية إنقاذ الآثار الغارقة فى القرن الماضي. آلاف الشرائط القديمة المتهالكة، التى تحمل دررًا من التراث الأدبى والفنى والسينمائى والإعلامي، الإذاعى والتلفزيوني، تقترب من مليون شريط، تحتوى على نحو 800 ألف ساعة من الأعمال الإبداعية التى أُنتجت على مدار قرن من الزمان.
إنه عمل جبار، أُنجز وسط ظروف صعبة، لكن الإرادة الصلبة لا تعرف المستحيل. وكان اهتمام الدولة بالوعى هو حجر الزاوية؛ فبناء الوعى يحتاج مدخلات وأدوات، وتاريخنا المضيء جزء أصيل من هذه المدخلات. لذلك كانت الدولة تقف داعمةً لاستكمال هذا المشروع على أفضل وجه، فهو ليس رفاهية ولا اختيارًا، لكنه مشروع ضرورة من أجل استكمال نظرية بناء الوعي.
هناك أسماء عظيمة من أدبائنا وفلاسفتنا، مثل عباس محمود العقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس، ويحيى حقي، وزكى نجيب محمود، وغيرهم من عشرات المفكرين الذين لا يعرفهم الجيل الجديد.
لذلك أرى أن الأرشفة الرقمية ستحوّل أعمال هؤلاء إلى مواد رقمية، عبر تطبيقات ومنصات يعرفها الشباب فى هذا الزمان. ومن خلال إعادة مونتاج حلقات ولقاءات هذه القامات، وتحويلها إلى مختصرات ومقاطع وروابط تُذاع وتُبث عبر “تيك توك” و”فيسبوك” و”إنستجرام”، سنعيد تشكيل وجدان أبنائنا الشباب.
وكذلك الحال مع تراث أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، ومحمد عبدالوهاب، وسيد درويش، وغيرهم من عمالقة الفن المصري.
فى تقديري، يحتاج هذا المشروع مزيداً من الشرح والتوضيح، حتى نصل إلى الرسالة الأهم، وهى أننا قادرون على أن نفعل، إذا أردنا حقًّا أن نفعل.









