الزيادة السكانية.. المسئولية مشتركة
عندما احتفلنا الأسبوع الماضى بالعيد الرابع والسبعين لثورة 23 يوليو المجيدة، ثار الكثير من النقاش حول مكتسبات تلك الثورة التى تحقق الكثير منها بقرارات ثورية اشتراكية، ارتكزت على تحقيق العدالة الاجتماعية كأحد أهداف الثورة الست التى كنا نحفظها ونحن تلاميذ فى مدارس الستينيات عن ظهر قلب.
وفى الحقيقة، كان التعليم المجانى فى هذه الفترة خير معبر عن هذا الهدف الثورى الكبير، الذى وجد له ترجمة حقيقية على أرض الواقع، باستيعاب أبناء الفقراء وغير القادرين جنباً إلى جنب مع أبناء الميسورين، الذين كانت تسمح ظروفهم المادية بإدخال أبنائهم المدارس الحكومية والخاصة بمصروفات دراسية كانت تبلغ مبالغ معتبرة فى هذا الوقت قياساً بمعيار الذهب الذى يعد قياساً دقيقاً لقيمة العملة فى أى زمان ومكان.
وأستطيع أن أذكر على سبيل المثال وأنا تلميذ فى المرحلة الابتدائية فى بداية الستينيات كانت قيمة المصروفات الدراسية جنيهاً وقرشاً واحداً، وهو ما يوازى قيمة جرام من الذهب يبلغ ثمنه الآن فى المتوسط نحو 5 – 6 آلاف جنيه، وكان عدد تلاميذ الفصل الدراسى فى المتوسط أيضا نحو 35 تلميذاً فى مدرسة ذات فناء واسع، وتصل ساعات اليوم الدراسى فيها إلى 8 ساعات يتخللها راحتان بما يُعرف بـ «الفسحة» إحداها قصيرة والأخرى طويلة فى يوم دراسى حافل ودسم يشمل 7 حصص على الأقل قد تصل لـ 8 حصص يوم السبت الذى لم يكن إجازة كما هو مقرر الآن.. بل كان يعتبر أهم أيام الأسبوع لأنه يأتى بعد إجازة يوم الجمعة.
وكان الاهتمام فى المرحلة الابتدائية باللغة العربية والدين لإعداد الطالب إعداداً جيداً، بجانب مواد الحساب والعلوم والمواد الاجتماعية التى تشمل الجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية، أما اللغات الانجليزية أو الفرنسية، فكانت تدرس فى المرحلة الإعدادية.
الجدير بالأمر فى اليوم الدراسى هو الأنشطة المدرسية التى كانت تسهم فى عملية التربية والتعليم وبناء شخصية التلميذ وتنمية مواهبه ومهاراته شاملة الرسم والأشغال والموسيقى والألعاب والزراعة للبنين والتدبير المنزلى للبنات، وذلك كله فى فصول وملاعب مجهزة ومعدة لممارسة تلك الأنشطة، التى تحبب التلاميذ فى المدرسة والمعلمين.
كانت المدرسة توفر الكتب الدراسية مجاناً وأحياناً الكراسات، بجانب التغذية المدرسية التى كانت تعتمد فى البداية على المعونة الأمريكية بالدقيق الفاخر، الذى يُصنع منه التوست ومعه الجبن الشيدر، الذى يبلغ ثمن الكيلو منه الآن أكثر من 500 جنيه.
أما المفاجأة بالنسبة للمصروفات الدراسية، أنه بعد مرور أسبوعين من بدء العام الدراسى كان يتم تخفيض قيمتها إلى 25 قرشاً تيسيراً على معظم التلاميذ الذين لم يستطع أهلهم سداد قيمتها ليدفع من يدفع قبل الإعفاء منها تماماً فى نهاية الأمر، تأكيداً لمبدأ مجانية التعليم الذى أخذته حكومات الثورة على عاتقها.
>>>
المهم فى هذه الحكاية التاريخية، أن أؤكد أن ما ساعد الدولة وقتها تعداد مصر الذى لم يكن يتجاوز 30 مليون نسمة فى نهاية الستينيات، وهو رقم شجع على تنفيذ سياسات حكومية تعتمد على الجودة والشمول فى كل المجالات العامة من تعليم وصحة ونقل وإسكان وتشغيل وخدمات.
وأظنه نفس الحال الآن فى معظم الدول الأوروبية المتقدمة، التى لم يزد عدد السكان فيها مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها على الستين والسبعين مليون نسمة، ربما آخذة فى التناقص.. فما بالك بالدول الاسكندنافية فى الشمال مثل السويد والنرويج والدنمارك وتعداد الواحدة منها لا يتجاوز العشرة ملايين نسمة.
أتصور أن أخطر قضية لابد أن نتصدى لها فى ظل الجمهورية الجديدة التى أخذت القيادة السياسية على عاتقها إرساءها فى كل المجالات، هو الزيادة السكانية المطردة والمهولة التى تجعل مصرنا تزيد بمعدل 2مليون نسمة سنوياً.
باختصار، إنها آفة المشكلة السكانية التى ندفع جميعاً ثمناً باهظاً لها فى كل مجالات حياتنا.. ليس فى المدارس فحسب، بل فى كل مكان، فى المستشفيات وفى الإدارات المحلية والشهر العقارى والمرور وغيرها، حتى فى الشواطئ ووسائل الترفيه..من هنا تأتى مسئوليتنا جميعاً سواء الحكومة أو الشعب.









