التاريخ ذاكرة الأمم، والحارس الأمين على أحداثها وحوادثها وإنجازاتها وإخفاقتها، وزعمائها وحتى الخونة فيها أو من خارجها وأعدائها، والحافظ لحضارتها، والحكم المنصف بين الغث السمين، ولا يكتب التاريخ بالأهواء والميول، ولا الحب ولا الكراهية، وكذلك لا يكتبه معاصرو أحداثه من عامة الناس، إنما يسجله متخصصون حتى لو لم يعيشوا الأحداث ولم يعاصروها، يسطرونه ويسجلونه طبقا لمنهج علمى وبحث دقيق وتدقيق، والاعتماد على مصادر موثوقة ومحايدة.
ومنذ أن اقتحمت وسائل التواصل الاجتماعى حياتنا بلا استئذان، قبل أكثر من سبعة عشر عاما تقريباً، ونحن نعانى من المغالطات البشعة والفجة، والآراء التى لا ضابط لها ولا رابط، ورأينا كيف تحول الجميع إلى مفتين فى كل الأمور، يهرفون بما لا يعرفون، وينصّبون من أنفسهم أوصياء علينا فى كل شىء، ويتشبثون بوجهات نظرهم ويدافعون عنها بالباطل وبكل ما أوتوا من قوة وأدلة مختلقة، ولا يتركون للحوار أو النقاش مجالا، ولا يسمحون للرأى الآخر ولا بطرحه من الأصل، وخلطوا الحابل بالنابل، وزيفو وجعلوا من الصعب على الكثيرين التمييز بين الصحيح والخطأ، والكذب والحقيقة.
التاريخ ليس دمية يتلاعب بها الصبية يتقاذفونه حسبما يريدون، ويتناقلون عنه معلومات مدسوسة، يغيرون ويبدلون، كما تفعل الشياطين، يتلقفون معلومة صحيحة ويضيفون عليها مائة كذبة، كى يصدقها الناس، وتنطلى عليهم الألاعيب ويحسبونها حقيقة.
وبمناسبة ثورة 23 يوليو، ومثل كل مناسبة وطنية، نجد من ينبرى ليشوه كل جميل ويزين كل قبيح، وتجرأ هؤلاء الصبية بسخافات وترهات وتفاهات، ونصبوا من أنفسهم مؤرخين عالمين ببواطن الأمور، وجعلوا تاريخنا من محمد على باشا وأسرته التى حكمت مصر حتى آخرهم الملك فاروق، جعلوه كله فتونا ومجونا وخمرا ونساء، ولم ينج منهم تنظيم الضباط الأحرار، وعلى رأسهم الزعيم جمال عبدالناصر.
وجدنا التشويه بهجمة شرسة، طعنوا فى محمد على بحجة أنه جندى ألبانى وليس مصرى الأصل، وإن كان هذا صحيحا لكنهم وصموه بالخيانة، والتحالف مع الاستعمار ضد الدول العربية، ومنهم من يقول إن أسوأ يوم من حكم فاروق أفضل من أحسن يوم من حكم من جاء بعده، ويعقدون مقارنة ظالمة وباطلة بين ميزانية مصر فى عهد فاروق وبمن جاء بعده بعد إعلان الجمهورية، وأسعار الذهب وسعر الصرف وحجم الديون وغيرها، اتهموا فاروق بالفساد والسرقة والنهب والشرب والمجون، كأنه كان سكيرا عربيدا، وزير نساء.
وتواصلت الأغاليط إلى قادة الثورة الأحرار، وأطلقوا عليهم مسمى الضباط الأشرار، ووصفوا «حركة الجيش المباركة» بأنها انقلاب، اتهموا عبدالناصر بأنه قام بفتح المعتقلات، وانشاء محاكم الثورة، والسطو على أرزاق الشعب، فأفقر الأغنياء، ولم ينصف الفقراء، واستولى على الشركات والمصانع، وتفريغ المناهج من محتواها، فانهارت منظومة التعليم، وبدأ مرحلة جديدة من الاستدانة.
فجعت وفوجئت وأنا أطالع مثل هذه الترهات، وغيرها كثير كثير، ويحاول السفهاء أن يحولوا تاريخنا إلى أحداث ماجنة وظلم وديكتاتوربة، ومحوا كل الإنجازات والتضحيات والعطاءات والبطولات، ويجب أن يتوقف اولئك عن ترهاتهم ومغالطاتهم، بل وتتم محاسبتهم على التزييف والتزوير المتعمد للأحداث، وتشويه صور الرجال والتعرض لسمعة حكام مصر، وأؤكد أننى لا أدافع عن أحد وإنما أغار على تاريخنا المجيد، وإن كانت هناك أخطاء لأى منهم فهم بشر، والبشر يخطئون ويصيبون، وكما قال الرئيس الراحل حسنى مبارك فى خطابه الشهير «لكل نظام سياسى أخطاؤه»، لذا لا يجوز أن نقدمهم على أنهم كانوا شياطين فى ثياب آدمية، يرتكبون كل الموبقات.
للأسف الشديد مازال هناك مضللون، إلا أن التاريخ فى النهاية يكتب بالصدق والحياد، دون طمس أو تجميل، والحقيقة لا يمكن حجبها، والتصويب ضرورة، والتصدى لأولئك الذين تغولوا وجاروا على صفحات التاريخ يقدمونها للأجيال بهذا القبح الذى خطته أيديهم، ويهدفون إلى تغييب العقول وتزييف الوعى الجمعي، لذا لا يصح أن يترك هذا العبث دون حساب، لأن مستقبل الأمة يبنى على ماضيها.









