من يدير ويدبر الحروب المشتعلة فى مناطق عديدة فى العالم، من يقف خلف الستار ويحرك الفتن والصراعات بين الدول ويزج بها إلى غياهب حروب تستنزف كل شىء، البشر والحجر، الثروات والمقدرات، الوقت والزمن ويرهق دول العالم ويزيد معاناتها الاقتصادية والمعيشية، ويحول دون تدفق سلاسل الإمداد ويرفع تكلفة الحياة، ويخلق عوائق أو عقبات أمام الدول النامية لتنمو، وتعرف طريقها إلى التنمية وتحقيق أهداف شعوبها، هناك بالفعل من يشعل العالم، ويجعله يدور فى أتون الغليان والصراع والنزاعات.. لذلك فتش عن الأوهام والاطماع والمخططات، ومحاولات الحفاظ على الهيمنة والنفوذ والاستحواذ على مقدرات وثروات العالم، وممراته البحرية، أنه استعمار جديد يرتكز على الاستنزاف والإضعاف وإرباك الدول والحيلولة دون صعودها، وأيضا منع بزوغ فجر نظام عالمى جديد ينهى عقودًا طويلة من الغطرسة والظلم والازدواجية وسياسات الكيل بمكيالين هناك حروب مستعرة لاحتلال العقول والسيطرة عليها، كوكتيل من الحروب، تقليدية تعتمد على الصراع المسلح، وأيضا حروب غير نمطية تعمل على تزييف العقول، وخلق حالة من الفتن والفوضى.
عندما تقرأ المشهد فى العالم، تجد حروبًا وصراعات عالقة دون حسم، سنوات مرت دون أفق للتوقف والانتهاء، مفاوضات تفشل، وتنازلات غير موجودة ودعم خفى ومعلن، لطرف على حساب آخر أو للطرفين، منها حروب بالوكالة، وإرهاب يستشرى ويتربص، وحدود ساخنة، والنتيجة إهدار الثروات وموارد وميزانيات ضخمة، وتكلفة باهظة تزيد من أوجاع ومعاناة الشعوب.
الحرب الروسية ــ الأوكرانية التى اندلعت فى 24 فبراير عام 2022 بعد فشل جميع المفاوضات والمباحثات من أجل الوصول لسلام بين موسكو وكييف لكن كان هناك إصرار أمريكى غربى أو أوروبى من أجل التضييق على روسيا، التى خشيت على أمنها القومى من وجود «حلف الناتو» على الأراضى الأوكرانية بالقرب من الحدود الروسية، أو دخول أوكرانيا للاتحاد الأوروبى، ونشر أسلحة أمريكية ــ أوروبية، أو محاولات تصدير الثروات البرتقالية للداخل الروسى ، وهو ما جعل بوتين بعد فشل جميع الطرق والسبل للوصول إلى اتفاق فى إصرار الأوكران على أهدافهم، التى وجدت فيها روسيا تهديدًا لأمنها القومى، لذلك قررت روسيا شن حرب وهجوم على أوكرانيا منذ عام 2022 وحتى الآن لم تضف روسيا إلى أراضيها من الأراضى الأوكرانية أكثر من 5 ٪ ليصبح الإجمالى الذى استولت عليه لا يزيد عن 20 ٪ ورغم التفوق الروسى الواضح، والضربات الموجعة لأوكرانيا وما أحدثته من خراب ودمار هائل إلا أن روسيا القوة الثانية فى العالم، لم تسلم من ضربات أوكرانية مؤثرة فى العمق الروسى، وإصابة أهداف حيوية، وأنفقت فى عام واحد 350 مليار دولار إضافة إلى باقى سنوات الحرب التى اقتربت من إكمال عامها الخامس هذه الخسائر الباهظة تحملها الجانب الأكثر قوة وتفوقًا واحتلالاً للأراضى الأوكرانية، أما خسائر كييف فحدث ولا حرج، فالدعم الأمريكى الذى انخفض فى عهد الرئيس دونالد ترامب، وصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، أما الجانب الأوروبى فهو أكثر سخاء فى دعم أوكرانيا بالمال والسلاح، إضافة إلى الخسائر التى تحملها العالم دولاً وشعوبًا جراء تداعيات هذه الحرب، من تعطل سلاسل الإمداد والتوريد، والتأثير على الاقتصاد العالمى، من خلال العقوبات المفروضة على روسيا، أو حجم الدمار الذى أصاب الموارد الأوكرانية، فمن يدير هذه الحرب ومن يستفيد منها، الحديث عن محاولة إشغال روسيا فى أوكرانيا، واستنزاف قدراتها ومواردها، وتعطيل مسيرتها حيث كانت تمضى بمعدلات متقدمة للصعود الاقتصادى لذلك ماذا تحمل الأيام القادمة لروسيا؟ بل وماذا تحمل هذه الحرب من تداعيات جديدة؟ وماذا عن مصير الدعم الأمريكى الأوروبى؟ وماذا عن مصير زيلنسكى؟ وهل يمكن أن تحسم روسيا هذه الحرب التى توصف الآن بحرب الاستنزاف؟
حرب استنزاف أخرى مشتعلة فى الشرق الأوسط تحركها دولة الاحتلال الصهيونى، وتنفذ بأياد أمريكية هى الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وهى حرب تثير الكثير من علامات الاستفهام وقد بدأت شرارتها العام الماضى ولمدة 12 يومًا وحصدت أرواح عشرات الرموز الإيرانية فى مقدمتها المرشد الأعلى وقيادات عسكرية ومن الحرس الثورى وتعرضت إيران لدمار واسع، ولكن أيضا نالت إسرائيل ضربات موجعة فى العمق أصابت أهدافًا حيوية وأمنية وعسكرية، واقتصادية مهمة إضافة إلى تعرض القوات الأمريكية لضربات أصابت حاملات الطائرات والمقاتلات المتقدمة والشبحية وطائرات المراقبة والإنذار والتزود بالوقود إضافة إلى المسيرات المتقدمة، وضرب القواعد الأمريكية فى المنطقة، هناك أطراف تدفع ثمنًا باهظًا رغم عدم علاقتها بالحرب، وهنا اتحدث عن الدول الخليجية والأردن، وهناك أطراف تدفع تكلفة باهظة بسبب تداعيات هذه الحرب التى أوقفت الملاحة فى مضيق هرمز وتحول دون العبور الآمن من لناقلات النفط، وغيرها من الناقلات وقد يدخل باب المندب على خط التوقف بسبب تهديدات ميليشا الحوثى، واشنطن وطهران تدفعان تكلفة باهظة على الصعيد الاقتصادى، فواتير الحرب باتت عالية للغاية، ترامب يطلب دعمًا ماليًا إضافيًا من الكونجرس باكثر من 87.6 مليار دولار وبلغت تكلفة الحرب قبل طلب هذا الرقم 37.5 مليار دولار، وهو الأمر الذى يثير سخط وحفيظة المواطن الأمريكى خاصة فى ظل ارتفاع الأسعار وارتفاع معدلات التضخم خاصة ارتفاع أسعار المحروقات، وتعتبر هذه الحرب ليست أمريكية ــ على الجانب الآخر، لا تقدر خسائر إيران بشكل محدد لكنها تفوق التوقعات فى ظل الدمار الهائل الذى لحق بها خاصة البنية التحتية والنفطية والموانىء ومحطات الطاقة والكهرباء، وهو ما يفوق 100 مليار دولار ناهيك عن التكلفة العسكرية من أسلحة ومعدات سواء التى تستخدم فى استهداف القوات والقواعد الأمريكية أو التى تعرضت للدمار أيضا دول الخليج الشقيقة تدفع فواتير باهظة بسبب العدوان الإيرانى غير القانونى على أهداف مدنية مثل محطات الطاقة والكهرباء والمياه والمنشآت النفطية والمطارات.
حروب الاستنزاف المشتعلة فى العالم، لمصلحة من؟ ومن المستفيد منها؟
.. وهنا أيضا نجد الحرب الإجرامية التى تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلى على الفلسطينيين، دمرت قطاع غزة واستباحت أراضيها، وقتلت أطفالها ونساءها وشبابها وكبارها.
لاشك أن هناك شيطانًا صهيونيًا يدير حروب الاستنزاف فى العالم وخاصة فى الشرق الأوسط والمنطقة العربية وهو المستفيد من الإيقاع بالجميع فى مثل هذه الحروب لذلك فإن التماسك الداخلى، والحوار الوطنى، والحلول السياسية والدبلوماسية هى الحل لتفادى مؤامرة حروب الاستنزاف.. وربما تطفو على السطح صراعات جديدة مرشحة وبقوة فى ظل وجود أوهام العدو الصهيونى..









