يمثل ملف التحول الرقمى أحد أكثر الملفات حضورا فى المشهد المصرى خلال المرحلة الحالية، فبعد سنوات من الحديث النظرى عن «الحكومة الإلكترونية»، بدأت الخطوات تتحول إلى مشروعات ملموسة يشعر بها المواطن فى تعاملاته اليومية. إصدار الهوية الرقمية والتوسع فى التوقيع والختم الإلكترونى، إلى جانب استكمال ميكنة الجهات الحكومية، لم تعد بنودا منفصلة، بل باتت أضلاعا لمنظومة واحدة تسعى الدولة من خلالها إلى إعادة بناء علاقتها بالمواطن والمستثمر على حد سواء.
الهوية الرقمية، كما تؤكد بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ليست بديلا عن الرقم القومى، وإنما امتداد رقمى آمن له، يتيح لكل مواطن ومقيم حسابا موحدا للدخول إلى مختلف الخدمات الحكومية دون تكرار للإجراءات الورقية. هذا التوجه، المرتبط بمنصة «مصر الرقمية» التى تضم حاليا أكثر من 240 خدمة، مع استهداف الوصول إلى 450 خدمة بحلول عام 2030، يعكس محاولة جادة لإعادة هندسة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس السرعة والشفافية، بدلا من الطوابير والوسطاء.
أما التوقيع الإلكترونى، فيمثل الحلقة المكملة لهذا المسار، إذ لا تكتمل منظومة الخدمات الرقمية دون آلية موثوقة لتوثيق المستندات.
على مستوى الأداء الحكومى، فإن استكمال ميكنة الجهات المختلفة يحمل أثرا مباشرا على الحوكمة وضبط الأداء المؤسسى. فالانتقال من العمل الورقى إلى الأنظمة الرقمية يقلل من مساحات التقدير الشخصى التى طالما فتحت الباب أمام البيروقراطية والفساد الصغير، ويجعل كل معاملة قابلة للتتبع والمراجعة. وقد أشار وزير المالية أحمد كجوك إلى أن رقمنة الخدمات خطوة جوهرية لتحقيق الحوكمة والشفافية المطلوبتين، وهو ما يعنى أن الرقمنة هنا ليست مجرد أداة تسهيل، بل أداة رقابة أيضا.
أما على صعيد بيئة الأعمال وجذب الاستثمار، فإن المستثمر (المحلى أو الأجنبي) يبحث فى الأساس عن الوضوح وسرعة الإجراءات، وتقليل نقاط الاحتكاك مع الجهاز الإدارى. وحين تتحول تراخيص الأعمال والسجلات التجارية والمعاملات الضريبية إلى منظومات رقمية موحدة، فإن ذلك يرفع من تنافسية الاقتصاد المصرى إقليميا.
يبقى السؤال الأهم: هل يسرّع هذا التحول من الانتقال إلى اقتصاد المعرفة؟ الإجابة، من وجهة نظرى، مشروطة. فالبنية الرقمية وحدها لا تصنع اقتصاد معرفة، لكنها شرط ضرورى له..
خلاصة القول، إن ما تشهده مصر اليوم ليس مجرد «أتمتة» لإجراءات قديمة، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها ومستثمريها على أساس الكفاءة والشفافية.. ونجاح هذا المسار، فى نهاية الأمر، لن يقاس بعدد الخدمات المتاحة إلكترونيا فحسب، بل بمدى انعكاسه فعليا على جودة الحياة اليومية، وثقة السوق فى مؤسسات الدولة.









