لم يكن مساء الإسماعيلية عاديًا. فقد بدت المدينة، وهى تستقبل الدورة الرابعة لملتقى السمسمية بقصر الثقافة، وكأنها تفتح نافذة واسعة على زمن لم تغادره الذاكرة، زمن كانت فيه أوتار السمسمية تحكى حكايات البحر، وتغنى للمراكب، وتشد من أزر المقاتلين، وتمنح الناس أملاً كلما ضاقت الأيام.
وسط هذا المشهد المفعم بعبق التاريخ، افتتحت وزارة الثقافة فعاليات الملتقى، برعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالى والبحث العلمى والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء نبيل حسب الله محافظ الإسماعيلية، لتؤكد أن التراث ليس صفحات فى كتاب، وإنما روح أمة لا تزال تنبض بالحياة.
وحملت الدورة الرابعة اسم الفنان الراحل محمد الوزيري، وكأن اسمه عاد ليعزف من جديد بين تلاميذه ومحبيه، بعدما ترك بصمة
لا تُمحى فى مسيرة هذا الفن الشعبى الأصيل. ونظمت الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة الفنان هشام عطوة، هذا اللقاء التراثي، بينما تولى الفنان أحمد الشافعي، رئيس الإدارة المركزية للشئون الفنية، إدارة الملتقى الذى جمع فرق السمسمية من مدن القناة وسيناء والبحر الأحمر وأسوان والدقهلية، فى لوحة بدت فيها مصر وكأنها تعزف لحنًا واحدًا رغم تنوع أصواتها.
تضمن حفل الافتتاح الذى أعده وأخرجه الفنان ماهر كمال، عرض فيلم تسجيلى استعرض مسيرة الفنان الراحل محمد الوزيري، وأبرز محطاته الفنية، ودوره فى الحفاظ على فن السمسمية وتوثيقه، وما قدمه من إسهامات تركت أثرا بارزا فى هذا اللون من الفنون الشعبية ، إضافة إلى تكريم نخبة من رواد العزف والغناء على آلة السمسمية، تقديرا لعطائهم فى صون هذا الفن، وهم الفنانون فوزى الجمل وأحمد كنش وعيد رزق الله .. كما حضرت أسماء الراحلين محمد الوزيري، والكابتن غزالي، ومحمد ميدا، وكأن الغياب لم يمنع أصحاب البصمة من مشاركة الحضور فرحتهم.
وعندما اعتلت الفرق الشعبية خشبة المسرح، لم تعد العروض مجرد فقرات فنية، بل تحولت إلى حكايات ترويها الألحان. امتزجت أنغام السمسمية بإيقاع البحر، وتعانقت أصوات الإسماعيلية والسويس وبورسعيد مع الجنوب وسيناء، لتعلن أن هذا الفن ما زال قادرًا على جمع القلوب كما جمعها يومًا فى ساحات المقاومة والفرح.
ذاكرة الوطن
المهندس أحمد عصام الدين، نائب محافظ الإسماعيلية، أكد أن استضافة الإسماعيلية للدورة الرابعة من ملتقى السمسمية تعكس مكانتها بوصفها عاصمة لمدن القناة وحاضنة لأحد أهم الفنون التراثية التى ارتبطت بوجدان أبنائها، مشيرا إلى أن السمسمية ليست مجرد آلة موسيقية، بل تمثل ذاكرة الوطن وصوت أهالى مدن القناة، وحملت عبر ألحانها حكايات الكفاح والعمل، وظلت رمزا للصمود والأمل، وشاهدا على بطولات المقاومة الشعبية وحفر قناة السويس.
وأوضح أن التراث الثقافى غير المادى يعد جزءا أصيلا من الهوية الوطنية، مؤكدا حرص محافظة الإسماعيلية على دعم الفعاليات الثقافية التى تسهم فى صون هذا التراث وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته. وأشار إلى أن تنظيم الملتقى يجسد الحرص على حماية هذا الموروث الفنى من الاندثار، والحفاظ على أصالته، ودعم فنانى السمسمية الذين حملوا رسالته عبر الأجيال، موجها الشكر لوزارة الثقافة، وللهيئة العامة لقصور الثقافة، ولكل الجهات المنظمة والفرق الفنية المشاركة، متمنيا للملتقى دوام النجاح وتحقيق رسالته فى الحفاظ على هذا الفن الأصيل.
الفنان هشام عطوة، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، أشار إلى حرص الدولة المصرية ووزارة الثقافة على دعم الفنون التراثية وصون عناصر الهوية الوطنية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية فى بناء الإنسان وتعزيز الانتماء.
وأكد أن محافظة الإسماعيلية كانت ولا تزال عنوانا للصمود والإبداع، وحاضنة لأحد أهم الفنون الشعبية المصرية، مشيرا إلى أن آلة السمسمية ليست مجرد آلة موسيقية، وإنما رمز من رموز الهوية الثقافية المصرية، وصوت حمل وجدان أبناء مدن القناة، ورافقهم فى لحظات التحدي، وبث فى نفوسهم الأمل وروح المقاومة، حتى أصبحت أغانى السمسمية جزءا أصيلا من الذاكرة الوطنية، خاصة خلال سنوات النضال وحرب أكتوبر المجيدة.
وأضاف رئيس الهيئة أن إدراج السمسمية عام 2024 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافى غير المادى بمنظمة اليونسكو يمثل اعترافا دوليا بقيمة هذا التراث الإنساني، ويضع على عاتق الجميع مسئولية أكبر للحفاظ عليه وصونه ونقله إلى الأجيال الجديدة، مؤكدا أن وزارة الثقافة، ممثلة فى الهيئة العامة لقصور الثقافة، تؤمن بأن حماية التراث ليست مسئولية الحفاظ على الماضى فحسب، وإنما استثمار فى المستقبل وبناء للوعى وتعزيز للهوية الوطنية وترسيخ لقيم الانتماء، وهو ما تعمل عليه الوزارة من خلال دعم الفنون الشعبية ورعاية المبدعين وإتاحة الثقافة فى مختلف ربوع مصر.
وقال الفنان أحمد الشافعي، رئيس الإدارة المركزية للشئون الفنية ومدير الملتقي، أن ملتقى السمسمية أصبح منصة سنوية للاحتفاء بأحد أهم عناصر التراث الموسيقى المصري، وأن الهيئة العامة لقصور الثقافة تحرص على استمراره وتطويره عاما بعد عام انطلاقا من مسئوليتها فى الحفاظ على التراث الشعبى وصونه ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وأضاف أن الملتقى يؤكد اهتمام الهيئة بالفنون التراثية، ودعم الفرق الشعبية والفنانين والباحثين المهتمين بهذا الفن، وإتاحة الفرصة لتبادل الخبرات بين المحافظات المختلفة، بما يسهم فى الحفاظ على هذا الموروث الثقافى الفريد.
لوحات جسدت روح المقاومة
وأضفت الفرق المشاركة تنوعا فنيا على حفل الافتتاح، حيث قدموا بانوراما فنية مبهجة، مزجت بين الغناء التراثى والعزف على آلة السمسمية والاستعراضات، مستحضرة الموروث الفنى لمدن القناة وسيناء، فى لوحات جسدت روح المقاومة والعمل والحياة على ضفاف القناة، ليخرج حفل الافتتاح فى صورة بانورامية عكست ثراء وتنوع التراث الموسيقى المصرى ونالت إعجاب الحضور.
وشارك فى العروض فرق الإسماعيلية للآلات الشعبية، والسويس للآلات الشعبية، والصحبة ببورسعيد، والضمة بالإسماعيلية، والطور التلقائية، وأسوان التلقائية الطمبورة، والمطرية للآلات الشعبية، والغردقة للفنون التلقائية، إلى جانب فرقتى أطفال الإسماعيلية والإسماعيلية للفنون الشعبية.
هكذا مضت ليلة الافتتاح؛ ليلة لم تكتف بإحياء ملتقى فني، بل أعادت الاعتبار لجزء أصيل من الوجدان المصري. فالسمسمية لم تكن يومًا مجرد آلة موسيقية، وإنما شاهدًا على تاريخ شعب، ولسانًا يروى بطولاته، وجسرًا يصل الماضى بالحاضر، ويؤكد أن الأمم التى تحفظ تراثها، تحفظ مستقبلها أيضًا.









